يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] ، فجهادكم هذا فيه أيضًا إغاظة لعدو الله وعدوكم، فأنتم تصيبونه في مقتل، وتحطمون الصنم الذي صنعه لنفسه، وأراد أن يعيش في قلوب أبناء سورية، ولكن هيهات أن يرضى أبناء الشام الكرام؛ بالذل والاستعباد لمخلوق أيا كان.
واعلموا أهلَنا في سورية، أنكم وصلتم إلى مرحلة متقدمة، واقتربتم بإذن الله من الظفر، ومِن صبر ساعةٍ يأتيكم النصر، فإما الاستمرار والصبر للعيش بعزة، وإما الرجوع؛ والرجوع لا يعني إلا الهلاك، فلا مجال لرجوع أو تردد، فليس عند هذا المجرم من الإجرام وسفك الدماء أكثر مما فعله بكم ليفعله لو أصررتم على خلعه، ولكن عنده من المكر والخبث والدسائس ما لم يُظهِر منه شيئًا يُذكَر، لكنه سيظهره إن أدرك أن قوتَه لا تنفعه معكم، وأنكم -باعتصامكم بالله وصبركم- أشد منه قوة وبأسًا.
فإياكم أن يستدرجكم الطاغوت الظالم إلى حلول وسط يخدعكم بها؛ فلا وسط عنده بعد أن أذللتموه وتحديتموه وأزلتم مهابته من قلوب الناس وطالبتم بحريتكم. وإن كان قد سلبكم من قبل حريتكم، فلن يرضى بعد ذلك إلا أن يسلبكم حياتكم كلها؛ وسيعمل فيكم من المجازر بأشد مما هو حاصل الآن، فلا يخدعكم عملاؤه ولا ترضوا إلا بالنصر أو الشهادة دونه، نعم فقتلكم شهادة لمن حسنت نيته، فأحدكم يقتل دون دينه وحريته في عبادة ربه كما شرع له؛ فهو شهيد، وأحدكم يقتل دون أهله يدافع عن عرضه؛ فهو شهيد، وأحدكم يقتل دون ماله الذي ينهبه المجرمون؛ فهو شهيد، وسيد الشهداء: من قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله. وأنتم في ثورتكم هذه؛ قد قمتم إلى هذا الظالم وزمرته الفاسدة؛ فأمرتموهم بالعدلِ المعروف، ونهيتموهم عن الظلم المنكر. وإن الحرية والكرامة التي ثرتم من أجلها؛ هي من الشريعة والدين، وهي حقوق جعلها لكم ربُّكم الذي خلقكم وعبَّدكم له، فجاء هذا الطاغوت ينازع الله ملكه وجبروته! يريد انتزاع ما جعله الله لكم؛ فأرضوا ربكم بإسقاطِه وإذلاله، والصبر على مدافعة شرِّه، والقعود له حتى يزول ملكُه بحول الله وقوته، وهو قريب بإذن الله.
واعلموا أن من خذلوكم أول الأمر؛ لن يسعوا إلى أن تنالوا حريتكم وتكسروا قضبان الأسر، وتغيُّر مواقف بعض القوى الدولية، والشخصيات الانتهازية، سببه أنهم رأوا أن هذا الطاغوت قد آل أمره إلى زوال، فأرادوا أن يحصدوا هم ثمار هبتكم الشعبية الشجاعة، فلا ترضوا بأن يُفرَض عليكم أحد ليفاوض باسمكم، واستبِقوا المؤامرات؛ بإنشاء مجالس محلية من وجاهات مناطقكم الثقات ليكون أمركم إليها، ولكن بحيث لا تصل إليها عيون النظام الطائفي المنتشرة بينكم فتبطش بها، فلن يكون أمينًا على مكتسبات ثورتكم، وحريصًا على أن تؤول إليكم أنتم؛ إلا من كان بينكم، شارككم في جهادكم، وقاسمكم تحمُّل الشدائد، وإدارة الثورة من داخلها وبين أبنائها.