فهرس الكتاب

الصفحة 748 من 3505

وكانت بداية حضوري هذه المجالس هي التي حببت إليّ فيما بعد علم الحديث ودراسة الأسانيد، وخاصة عندما كنت أرى تنافس طلبة العلم الذين يكبرونني في حلقة الشيخ أبي إسحاق.

ولما أنقطع الشيخ أبو إسحاق عن إكمال درسه في ألفية السيوطي انشغلت بالتلقي عن تلامذته من الذين أصبحوا بعد ذلك من مشايخ هذا الفن، فدرست على اثنين منها، واللذيْنِ يُعدَّا من أنجب طلبته - لا أستطيع أن أذكر اسمهما -، فكان أحدهما مولعًا بدراسة الأحاديث وحفظها وتحقيقها، فاستفدت منه كثيرًا في الحديث، وفي مجالات شتى كالعقيدة والفقه، ومعرفة المنهج السلفي وأصوله، وكان من ثمرة مصاحبته أن بدأت في تحقيق الأحاديث، والنظر في الأسانيد، وحفظ أسماء الرواة، والبحث في كتب العلل.

وأما الشيخ الآخر فقد كان مبرزًا في علم مصطلح الحديث، ويُعد الآن من أعلام ذلك الفن، ودرست على يديه كثيرًا جدًّا من كتب مصطلح الحديث، وخاصة من كتب التراث كـ: كتاب"العلل"للترمذي مع شرحه لابن رجب، و"تدريب الراوي"للسيوطي، و"ألفية السيوطي"أيضًا، و"الموقظة"للذهبي، وغيرها من الكتب الخاصة بالمصطلح والعلل.

واستفدت منه أيضًا أمرًا مهمًّا، وهو معرفة طريقة السلف في التعامل مع الأحاديث، وطرق فهمهم واستنباطاتهم، حتى طريقة كلامهم وأسلوبهم بل وإشاراتهم.

وقد لازمت هذا الشيخ فترة طويلة جدًّا، تمكنت خلالها من مطالعة وقراءة كثير من كتب التراث الموجودة في مكتبته، بل ودرستها أيضًا، وخاصة كتب العلل، فلا يكاد كتاب سؤالات أو علل أو رجال إلا واطلعت عليه وفهمت مراد الأئمة فيما يُوردونه من مسائل، وخاصة العلماء المتقدمين من القرون الأربعة الأولى، ككتب سؤالات الأئمة، وتاريخ البخاري، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي، ونحو تلك الكتب.

وكما ذكرت فقد أكسبتني مصاحبتي لهذا الشيخ معرفة لغة القدماء من أهل العلم، وطرق دلالتهم وإشارتهم، حيث كان دأب العلماء الاكتفاء بالإشارة دون صريح العبارة، فيذكرون مثلًا طرف الحديث أو اسم الراوي للدلالة على سند معين أو متن مخصوص، ولا يفهم ذلك إلا أهل الحفظ، خاصة أن السائل والمسئول هم أئمة هذا الدين، وحفظة سنة النبي الكريم، فكان أحدهم يكتفي بذكر لفظة واحدة من الحديث أو ذكر اسم راوٍ معين للدلالة على الحديث المراد.

وأضرب هنا مثالًا سريعا يفي بالمراد:

ذكر البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة محمد بن أبي الجعد هذه المقولة: (محمد بن أبى الجعد سمع الشعبي قوله قاله ابن مهدي عن سفيان) .

فيقصد البخاري شيئًا واحدًا: وهو إثبات أن محمد بن أبي الجعد رأى الشعبي وسمع منه، بدلالة أن عبد الرحمن بن مهدي روى عن سفيان الثوري عن محمد بن أبي الجعد مثبتًا سماعه منه لحديث واحد، ولكن هذا الحديث ليس مرفوعًا، بل موقوف على الشعبي، وهو حديث واحد فقط من قوله، إذ ليس له في الدنيا إلا هذا الحديث عن الشعبي.

وهذا الحديث الموقوف هو ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن محمد بن أبي الجعد أنه قال: (سألت الشعبي عن شراء تراب الصواغين؟ فكرهه وقال: هو غرر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت