فاختصر البخاري كل ذلك بقوله: (سمع الشعبي قوله، قاله ابن مهدي عن سفيان) ، فالبخاري يتحدث مع تلامذته الذين هم أئمة وحفاظ، فبمجرد ذكره لهذه الجملة يفهم الحفاظ مراده ومقصوده ويعلمون أي حديث يقصد.
هذا؛ وفي فترة مصاحبتي لهذا الشيخ أنهيت حفظ كتاب الله، ثم قرأت القرآن على عدد من مشايخ مصر، كالشيخ عبد الرازق البكري رحمه الله، وأخذت سندًا في روايته من أحد مشايخ مصر المعروفين - لا استطيع ذكر اسمه -، والذي هو بدوره تلقاه عن الشيخ عبد الحليم بدر شيخ عموم المقارئ المصرية.
ثم أحببت أن أقرأ القرآن بالقراءات، فأخذت الأصول النظرية كاملة على عدد من المشايخ الأفاضل، ثم التزمت مع أحدهم فأخذت عنه الأصول كاملة نظريًّا مرة أخرى، وهممت لأقرأ عليه أسهل الروايات وهي رواية شعبة عن عاصم، ولكن لم يسعفنا الوقت، وفي خلال سجني في أحد السجون المصرية قرأت على أحد الإخوة القرّاء قرابة الجزأين برواية قالون عن نافع قبل أن يمنّ الله عليه بالخروج من الأسر.
وشرعت أيضا في قراءة كتب التفاسير، فقرأت أغلبها إلا اليسر، ومنها كتاب"في ظلال القرآن"؛ حيث إنه من الصعب أن يقتنيه الإنسان في مصر؛ لأن وجوده في مكتبة أي طالب علم دليل على أنه مقتنيه صاحب فكر مناهض للحكومة الطاغوتية، وقد أثمرت هذه القراءة أن ألفت كتابًا مختصرًا في كلمات القرآن اسمه"الوجيز في ألفاظ الكتاب العزيز"على غرار كتاب"كلمات القرآن"لحسنين مخلوف، ولكنه أكبر حجمًا منه.
ومن بين عام 1990م إلى عام 1994م تقريبًا درست على أحد مشايخ الإرجاء، فأخذت عنه أغلب كتاب"سبل السلام"للصنعاني، والثلاثة الأجزاء الأولى وقدرٍ ما مِن الجزء الأخير مِن كتاب"فتح الباري"لابن حجر العسقلاني، وعلم الفرائض من"متن الرحبية"، والنحو والصرف من كتب"الآجرومية"، و"قطر الندى"، و"ملحة الإعراب"، والقواعد الفقهية من منظومة الشيخ السعدي، وكثيرًا من كتب العقيدة: ككتاب"الإيمان"للقاسم بن سلام ولأبي بكر بن أبي شيبة، و"السنة"للبربهاري، وبعض أجزاء من كتاب"مجموع الفتاوى"لابن تيمية المتعلقة بالعقيدة، وغيرها الكثير من كتب العقيدة والآداب.
وكانت لدروس هذا الرجل - مع ما عنده من طوام قد عافاني الله منها - أثر عظيم في توجهي إلى النظر في المتون مع النظر في الأسانيد.
وفي خلال تلك الفترة، وتقريبا في عام 1992 أنهيت دراستي النظامية لكلية الآداب لغة عربية.
وفي نفس الوقت تقريبًا التحقت بدروس الشيخ الجليل، شيخ مشايخ الحديث بمصر، الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف رحمه الله، والذي أعدُّه جبلًا من جبال حفظ الأحاديث والرجال، وعند هذا الشيخ وجدت بعض ضالتي التي أبحث عنها، فالتزمت دروسه، وأخذت عنه بعض كتبه التي لم تطبع إلى الآن: ككتاب: (الهجر الجميل لأوهام المؤمل بن إسماعيل) ، حيث كان الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب يسلك مسلك المتقدمين في معرفة درجة الراوي من توثيق أو تضعيف، وذلك بسبر مرويّات الراوي وعرضها على روايات الثقات، فإن وافقهم فيها عدَّه من الثقات، وإن خالفهم عدَّه من الضعفاء.