فهرس الكتاب
وبناء على ما سبق، فالحكم بالكفر على من ارتكب الكفر من أبناء القسام أو غيرهم، وعلى الحكومة التي تشرع ما لم يأذن به الله، وتحكم بغير ما أنزل الله، وتطبق بالقوة على العباد حكم غير حكم الله، وانتفى عن جميعهم الموانع الشرعية؛ ليس فيه تكفير لآلاف المسلمين كما ذكرتَ، بل فيه تكفير لمن ارتكب الكفر.
أما إذا كان الصدع بالحق، وتبينه للناس، وتحذير الناس من الوقوع في الكفر، سينفر عنّا الناس ويصبّ في صالح حماس كما زعمت؛ فإني أريدك أن تتأمل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه عتبة بن ربيعة وذلك حين أسلم حمزة بن عبد المطلب ورأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقال عتبة بن ربيعة للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السعة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم ... ) .
فكل ما تعيبه عليه قريش هي هذه الأشياء فقط:
الأول: أنه فرّق جماعتهم، فبعد أن كان الجميع يعبدون الأوثان تفرق الناس وصار منهم من يعبد الأوثان ومنهم من يوحد الله عز وجل.
والثاني: أنه سفه أحلامهم، واتهم عقلاءهم، وضلل رأيهم.
والثالث: أنه كان يعيب آلهتهم، ويطعن في دينهم، ويبين بطلانها وضلال متّبعيها.
والرابع: وهو موطن الشاهد أنه كان يكفّرهم، بل ويكفّر مَن مضى مِن آبائهم الذين لم يَرَهم بأم عينه.
ولنا أن نتساءل: أليس تكفيره لهؤلاء العرب الجاهلين ينفر الناس عن دعوته، ويعطي المبرر لقريش لتفتك به وبأصحابه وتذهب بدعوته؟!
بل؛ وما الفائدة العائدة على الدعوة من تكفير من مضى من آبائهم، مع ما هم عليه من إكبار وإعظام وإجلال لمقام الآباء؟! ومع ما فيه النبي صلى الله عليه وسلم من ضعف هو وصحابته الكرام رضي الله عنهم, ألم يكن الأجدى بهم السكوت عن تكفير الأموات ليسلموا من بطش الأحياء وهم مستضعفون مضطهدون مطاردون؟!
طبعًا هذه التساؤلات التي يطرحها الكثير من أصحاب الأقيسة العقلية، والتقديرات الفاسدة للمصالح والمفاسد.
أخي الكريم! إن حكم التكفير هو حكم شرعي، يجب أن لا نستحيي من ذكره، ولا نكتمه عمن يريد أن يعرف حقيقة هؤلاء القوم.
وليس معنى ذلك أنني أقول أنه يجب أن نذهب إلى نشره على المنابر وفي الخطب والجوامع، بل نقول حدثوا الناس على قدر عقولهم، ولكل مقام مقال، ولكن لابد من ذكره وتبينه لمن يُتوسم فيه الفهم والإدراك، ولا نكتم ذلك العلم.
ثم اعلم أن ما نحكيه من حكم شرعي في هذه الحكومة لم نقم نحن بنشره، ولكن هي التي تتكلف نشره وترويجه عنا من باب التشويه.
فهل يقابل ذلك بكتم العلم حتى لا ينكر علينا، وهل هذا كان فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟!
ثم لو كتمناه ولم نتكلم به هل كانت ستتركنا الحكومة دون أي تُهَمٍ؟ أم أن الحقيقة أنها ستتهمنا حتى لو لم نكفرها؟ وهذا هو عين ما فعلته مع الشيخ أبي النور المقدسي رحمه الله، حين اتهموه بنفس التهمة، فتشويه صورتنا هو دأب هؤلاء الديمقراطيين.