فهرس الكتاب

الصفحة 818 من 3505

واعلم رعاك الله! أن النصر والتمكين بيد الله سبحانه، قد تكفل به، ووعد به، فإن شاء نصرنا وأظهرنا، وإن شاء أجله وأخره، فهو الحكيم الخبير، فإن أبطأ فبحكمة مقدرة فيها الخير لأهل الإيمان، وليس أحد أغير على الحق وأهله من الله، يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم:4 - 6] .

فنحن نعلم يقينًا أن وعد الله لا يتخلف أبدًا، قال تعالى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] ، وقال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 21] .

134.متى نصر الله؟ خاصة وأننا نرى أن إخوانكم بعضهم قتل, وبعضهم اعتقل, وبعضهم من طول الطريق مَل؟!

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .

اعلم أخي الحبيب! أن الله عز وجل قدّر وكتب على عباده الصالحين أنه لا نصر إلا بعد ابتلاء وصبر، وأنه لا مجال لتخطي مرحلة التمحيص والابتلاء، فإنه تعالى أعلم وأحكم وأدرى بما يصلح لحال هذه الدعوة وهذه الأمة، وقد جعل الله تعالى تلك السُّنة غير قابلة للانتقاء أو التحيز أو الاستثناء؛ حين أمضاها تبارك وتعالى على خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته الكرام، ولو كان الله تعالى معافٍ أحدًا من آلام الابتلاء ومصاعب الاختبار؛ لأعفى منها أكرم الخلق أجمعين محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

ومن أنفس ما قرأت قول سيد قطب رحمه الله: (تلك سُنة الله في الدعوات، لابد من الشدائد, ولابد من الكروب, حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من عند الله, فينجو الذين يستحقون النجاة, ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين, وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون, ويحل بأس الله بالمجرمين, مدمرًا ماحقًا لا يقفون له, ولا يصده عنهم ولي ولا نصير, ذلك كي لا يكون النصر رخيصًا فتكون الدعوات هَزلًا, فلو كان النصر رخيصًا لقام في كل يوم دَعِي بدعوة لا تكلفه شيئًا, أو تكلفه القليل, ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا ولا لعبًا, فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج, ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء, والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة, لذلك يشفقون أن يَدّعوها, فإذا ادّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها, وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون; الذين لا يتخلون عن دعوة الله, ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة!

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل; إما أن تربح ربحًا معينًا محددًا في هذه الأرض, وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحًا وأيسر حصيلة!

والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعة والإتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة, ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت