فهرس الكتاب

الصفحة 854 من 3505

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

بارك الله في أخينا السائل، وبصرك الله بالحق، ووفقك لسلوك طريقه.

ومما يجب أن تعمله أخي السائل! أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الحكم بغير ما أنزل الله سواء بالشرائع المنسوخة أو الوضعية هو ذنب مكفر، وليس كما يدعي البعض بأنه كفر دون كفر، أو أنه كسائر الذنوب والمعاصي كـ: الكذب أو السرقة أو غيرها من الذنوب التي لا يكفر مرتكبها بمجرد الفعل.

فإن فقهت هذا فاعلم أن أي حكومة تشرع من دون الله، أو تحكم بغير ما أنزل الله، أو تطبق القانون الوضعي المخالف للشرع؛ هي حكومة كافرة مارقة من الدين، والعمل معها حرام، قال تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: 26] ، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

فعليك البعد عن أي وظيفة من وظائفها المتعلقة بكفرياتها التي كُفّرت بسببها، ومنها تلك الوظائف العسكرية التي تثبّت سلطة القانون الوضعي.

ويستوي في هذا الحكم جميع الحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله، ومنها حكومة القوانين الوضعية في قطاع غزة.

ولو فرضنا أن هذه الحكومة حكومة ظالمة - كما يدعي هذا الشيخ الذي ذكرته في سؤالك - فإن العمل معها في تلك الوظائف أيضا محرم؛ لأنه إعانة لها على الحكم بغير ما أنزل الله، وعلى تثبيت القانون الوضعي المخالف للشرع.

أما ما ادعاه هذا الشيخ من أدلة فهي لا قيمة لها؛ لأن ماشطة بنت فرعون، والرجل الذي نصحه، والرجل الذي كان يكتم إيمانه لم يكونوا مرتكبين لكفر، بل يمارسون حياتهم الطبيعية بعيدا عن كفريات فرعون، فلم يكونوا يعبدون أو يؤلهون فرعون، والعمل كـ (ماشطة) عند بنات أي طاغية من الطواغيت هو عمل مباح في أصله ما لم يقترن بمكفر.

وهذا بخلاف العسكريين الذي يقوم أساس عملهم على ممارسة تطبيق القانون الوضعي، أو المشاركة في تطبيقه، وهذا كفر بالله.

أما دعوى هذا الشيخ بأن وجود أمثالك يفيد الطيبين ممن يدخلون سجون الطواغيت، فأقول لك: إن الواجب عليك هو الخروج من هذا المستنقع، والتوبة والبراءة إلى الله، والبعد والمفاصلة بينك وبين الشرك بالله، لا أن تزاول تطبيق القانون الوضعي بذرائع واهية هي تخفيف العناء عن بعض السجناء، فلا ترضى لنفسك أن تكون الشمعة التي تحترق في نار جهنم من أجل أن تخفف بعض الأعْذِبَة الدنيوية عن السجناء.

هذا؛ وقد وصف تعالى في ثماني آيات حال إبراهيم الخليل بأنه كان: {حَنِيفًا} .

والحنيف: هو المائل عن الباطل مبتعدًا عنه إلى طريق الحقّ، فلن يحقق الناس ملة إبراهيم حقًّا إلا إذا كانوا حنفاء، أي يكون بينهم وبين ملل الكفر الأخرى تمايز ومفاصلة ومجانبة، لا تمازج ومخالطة ومجاورة.

وكذلك أمر المولى سبحانه وتعالى باتباع ملة إبراهيم، بل وأمر الله سبحانه نبيّنا صلى الله عليه وسلم بأن يتبع دين الإسلام مع الحرص على ذلك التمايز والمفاصلة عن الملل الأخرى، قال تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يونس: 105] ، وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] .

أسال الله تعالى أن يهدينا وإياك إلى طريق الحق والصواب، وأن يوسع عليك رزقك، ويبدلك عملًا خيرًا من عملك هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت