ومن بعيد من أرض الكوفة يخاطبكم سيد من سادات التابعين العباد سفيان بن عنينة: (إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول(ولنهدينهم سبلنا ) ) .
واسمعوا إلى إمام أهل السنة والجماعة عندما ذكر عنده الغزو فبكى وقال: (ما من أعمال البر شيء أفضل منه، ولا يعدل لقاء العدو شيء وأن يباشر القتال بنفسه هو أفضل الأعمال والذين يقاتلون العدو هم الذين يدافعون عن الإسلام والمسلمين وحريمهم، فأي عمل أفضل منه، الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم في سبيل الله.)
فيا أيها العلماء أنتم ثلاثة نفر لا رابع لكم:
فمنكم من تعلم العلم وعمل به وعرف الحق ونطق به فأولئك ندعوا لهم بالليل والنهار سرا وعلانية، بالثبات على الحق.
ومنكم من علم الحق ولم يبلغه ورأى الانحراف وسكت عنه، فأولئك مثل الشياطين الأخرس، وكما قال السلف رحمهم الله وإذا سكت العالم تقية فمتى يعرف الجاهل الحق.
ومنكم من علم العلم ولا يعمل به وعرف الحق ولم يبلغه وحرف الضلال وداهن فيه، فرُكبهم عند السلطان مثنية وأيديهم إلى أمواله معنية وألسنتهم بمدحه مبنية، فعند أبواب السلطان قد عكفوا، وعلى موائده قد أكلوا، ومن حطامه قد شبعوا، فمدائحهم للسلطان معلومة، وركائبهم عند بابه معروفة، ومجالسهم لتزكيته مبسوطة.
وفي الصنفين الأخيرين يقول بن القيم رحمه الله مقولة عظيمة تسطر وتكتب بماء الذهب:
كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وفي حكمه، وفي خبره وفي إلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسة، الذين يتبعون الشبهات، فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق، والابتعاد عنه كثيرا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرئاسة متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، لا سيما إذا قامت له شبهة، تتفق الشبهة مع الشهوة ويثور الهوى، فيخفى الصواب ويلتبس وجه الحق، وإذا كان الحق ظهرا لا خفاء فيه ولا شبهة، أقدم على مخالفته وقال لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) وقال الله تعالى فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ