واعلم رعاك الله أن المسلمين اليوم يجب أن يكونوا جماعة واحدة تحت راية واحدة في دولة واحدة يقودهم أمير واحد لا تفرقهم جماعات وزعامات وأحزاب وشراذم ودولة متناحرة متباغضة منفصلة عن بعضها وهذا ما تقتضيه النصوص الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة والتي تحرم وجود خليفتين للمسلمين ولو بالرضى والمبايعة وتحريم منازعة السلطان وتحريم الانضمام للدعوات التي تفرق المسلمين إلى دولة متنازعة. واسمع إلى الصديق خليفة رسول الله وهو يعدّد الأخطاء الناتجة عن التفرق والنزاع. يقول (لا يحل أن يكون للمسلمين أميران فإنه مهما يكن ذلك يختلف أمرهم وأحكامهم وتتفرق جماعتهم ويتنازعوا فيما بينهم. هنالك تُترك السنة وتظهر البدعة وتعظم الفتنة وليس لأحدٍ على ذلك صلاح) [1] فانظر إلى الحكم الشرعي الذي أصدره الصديق والأخطار الناتجة عن الاستهانة به وهي الحاصلة اليوم بل هناك من يقاتل من أجل تلك الحدود التي صنعها الاستعمار الكافر ومنهم من يقتل في سبيل هذه العصبيات والانقسامات والقوميات والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (من قُتل تحت راية عُمِّيَّة يدعو عصبيةً أو ينصرُ عصبيةً فقتلة جاهلية) [2] ومعنى (عُمِّيَّةٌ) أي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه كما قال الجمهور. أي يقاتل تحت راية لا يعرف غايتها أو أهدافها أو من يقف وراءها أو وسائلها وليس لها منهج واضح ولا يحكمها إلا المصالح والأهواء. واعلم أخا التوحيد أن هذا التحدي واجه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من بعده. أعني التحدي الداخلي في جزيرة العرب الذي تمثل في القبائل الكافرة المتناحرة التي كانت تهيم في الجهل والظلمات فأخرجها الله من هذه الظلمات إلى نور التوحيد بنبي الهدى والرحمة .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد جزيرة العرب طاهرة من كل شركٍ ونجس فتوحدت القبائل العربية تحت راية الشرع الحنيف وكان شعار المسلم العربي في ظل دينه الذي أفاض عليه عزة وكرامة وحمَّله رسالة عظيمة وكلَّفه بنشرها في الأرض ... كان شعاره ..
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
إذًا أراد النبي صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب آمنة قوية بهذا الدين حتى ينطلق المسلمون في تبليغه من قاعدةٍ آمنة فقال صلى الله عليه وسلم (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)
وقام الصحابة بقتال المرتدين وإجلاء اليهود حق قيام يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (والصديق رضي الله عنه وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين حفظ لما فُتح من بلاد المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه وجهاد من يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين وحفظ رأس المال مقدم على الربح) [3] ويقول الله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [4] قال ابن كثير في التفسير (أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب فلما فرغ منهم وفتح الله عليهم مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغيرها من أقاليم الجزيرة ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجًا. شرع في قتال أهل الكتاب فتجهَّز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب.
نقول وبالله التوفيق أن المجاهدين اليوم في أي مكان عليهم بقتال الأولى فالأولى ولأن في قتال الأقرب دفع ضرره عن المسلمين المقابلين له ولأن الإشتغال بالأبعد يعظِّم من خطر هذا الأقرب على المسلمين لاشتغالهم عنه بذلك العدو الأبعد. يقول ابن قدامة (ويقاتل كل قوم من يليهم من العدو لأن الأقرب أكثر حرزًا وفي قتاله دفع ضرره عن المقابل له وعمَّن وراءه والإشتغال بالبعيد عنه يمكنه من
(1) 516 - سنن البيهقي 8/ 145
(2) 517 - رواه مسلم
(3) 518 - مجموع الفتاوى 35/ 158
(4) 519 - التوبة 123