وقد جاء في شرح البخاري _باب طرح جيف المشركين في البئر ولا يؤخذ لهم ثمن _أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين فأبى النبي _صلى الله عليه وسلم _ أن يبيعهم وقد قال _صلى الله عليه وسلم) _ لا حاجة لنا بثمنه ولا بجسده (( 63)
وأورد الترمذي هذه الواقعة عن ابن عباس تحت عنوان (باب ما جاء لا تفادي جيفة الأسير) (64)
وأورد الحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه قُتل رجل من المشركين يوم الخندق فطلبوا أن يواروه فأبى النبي _صلى الله عليه وسلم _ حتى أعطوه الدية، قال: (هذا صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه) . (( 65
يقول الدكتور محمد خير هيكل (ينبغي تفسير قوله"حتى أعطوه الدية"بمعني أنه سلمهم جثة القتيل حين عرضوا عليه الدية ورفض قبولها، ولا يعني الحديث أنه أخذ الدية، وذلك جمعًا بين الروايات المختلفة) . (66)
قلت .. ورفض النبي _صلى الله عليه وسلم _ تسليم الجثة حتى عرضوا عليه الدية ثم رفضها حتى لا يظن الكفار أن المسلمين ضعفاء، ولأنه نهى عن الجيف وأخبرنا أنها خبيثة وثمنها خبيث.
وينبغي اليوم أن نشعر بالعزة في جهادنا ونسعى بكل السبل لتكريم المجاهدين والرفع من قدرهم وتدريسهم فقه العزة والكرامة والاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان , وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصنعها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان.
العزة والاستعلاء .. مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال، كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء، الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية مهما توحشت واستبدت، الاستعلاء في السجن والقيود كالاستعلاء خارج السجن والقيود. (67)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(63) فتح الباري 6/ 283
6/ 283 (64) سنن الترمذي 4/ 214
9/ 331 (65) المستدرك 3/ 32
(66) الجهاد والقتال 2/ 1324
(67) عن معالم في الطريق _فصل استعلاء الإيمان _ بتصرف يسير