4 -الذي يدعي علم الغيب من دون الله من العرّافين والكهان .. لقوله تعالى {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [1]
والغيب من أخص خصائص الله تعالى وأي مخلوق يدعي هذه الخصوصية فهو طاغوت ورأس في الطغيان ومن أقره على ذلك فقد اتخذه إلهًا من دون الله لأنه إنما أقر له بخصائص الإلهية. ومما يدخل في معنى الكهانة والكاهن ضارب الفنجان والرمل والكف وكذلك الأبراج والأفلاك التي تملأ الصحف والإذاعات والفضائيات. فكل هذا من الكهانة والطغيان الذي يجب الكفر به والحذر منه.
5 -الذي يعبده الناس ويدعونه من دون الله وهو راضٍ بذلك لقوله تعالى {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [2]
واعلم رعاك الله أن العبادة تعني التذلل والخضوع والطاعة والدينونة ومنه طريق معبد أي مذلل من كثرة الوطء. [3] والعبادة كما عرفها ابن تيمية (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) [4]
ونحن نعبد الله بكامل الخضوع والطاعة مع كامل الحب له سبحانه، والعبادة بمعناها المتقدم شاملة لكل جوانب الحياة ومجالاتها وهي غير مقتصرة على أداء المناسك والشعائر التعبدية التي ساحتها المساجد والزوايا فحسب بل تطال كذلك الطاعة والانقياد والاتباع والحكم والتحاكم والحب والكره والدعاء وغيرها من الأمور. فإذا صرف الإنسان شيء منها لغير الله فقد عبد هذا الشيء من دون الله. فالعبادة هي الطاعة والانقياد والاتباع بخضوع وتذلل كامل مع حبٍ كامل لله تعالى. وعليه فلا تجوز الطاعة في معصية الله ولا التحاكم لغير الله ولا اتباع أي شخص فيما لا يرضي الله وإذا كان هذا المتبوع والمعبود من دون الله راضٍ بهذه الطاعة المحرمة والانقياد الأعمى فهو طاغوت كافر لما تقدم من أدلة ويجب تكفيره والكفر به.
قال ابن تيمية رحمه الله (فمن جعل غير الرسول تجب طاعته في كل ما يأمر به وينهى عنه وإن خالف أمر الله ورسوله فقد جعله ندًا، وربما صنع به كما تصنع النصارى بالمسيح فهذا من الشرك الذي يدخل صاحبه في قوله {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} ) [5] وقال في موضع آخر (فمن طلب أن يطاع من دون الله فهذا حال فرعون، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من الله أندادًا يحبونهم كحب الله. والله سبحانه أمر ألا يعبد إلا إياه وألا يكون الدين إلا له، وأن تكون المولاة والمعاداة فيه) [6]
واعلم أخا التوحيد أن الكفر بالطاغوت شرط لصحة التوحيد والإيمان فقد قدمه الله على الإيمان به وفي قول الله دليل على أن عبادة الله لا تنفع إلا باجتناب عبادة ما سواه إذ يقول سبحانه {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [7] قال الإمام محمد بن عبد الوهاب (واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنًا بالله إلا بالكفر بالطاغوت) . ثم استدل رحمه الله بالآية المتقدمة .. ثم قال (الرشد دين محمد صلى الله عليه وسلم والغي دين أبي جهل، والعروة الوثقى شهادة أن لا إله إلا الله وهي متضمنة للنفي والاثبات تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له) [8]
(1) 99 - النمل 65
(2) 100 - الأنبياء 29
(3) 101 - انظر لسان العرب والقاموس المحيط
(4) 102 - العبودية لابن تيمية
(5) 103 - الفتاوى 10/ 267
(6) 104 - المرجع السابق 14/ 328
(7) 105 - البقرة 256
(8) 106 - مجموعة التوحيد 10 - 35