واعلم أنه لا يمكن النجاة من النار دون التمسك بهذه العروة الوثقى فهي العروة الوحيدة التي ضمن الله تعالى لنا ألا تنفصم وما سواها من عرى الدين فلا تكفي وحدها دون هذه العروة للنجاة إذ لا تقبل دعوة ولا جهاد ولا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج إلا بها ولا يصح الإيمان بالله ولا ينفع صاحبه إلا بالكفر بالطاغوت أولًا.
واعلم أخانا أن التزام الإسلام عقيدةً في قلوبنا وعملًا بجوارحنا يعني تمثل العزة والكرامة واسمع لقول عمر الفاروق (إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزًّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله) [1] . نظرة واقعية من عزيزٍ أعزه الله بالإسلام .. رسالة واضحة إلى الذين صحبوا الدنيا كالأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم ولا في المراد من إخراجهم إلى هذه الدار الفانية .. رسالة عظيمة لسان حالها .. ملكتكم الشهوات وغاب عنكم داعي العقل وصدَّق عليكم ابليس ظنه {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} . عزكم ذل , وعلوكم انحطاط في التوجه لغير الله، وفي ظلام التشرذم الذي تعيشون تحت راياتٍ ومسميات انفلتت و انفلشت وتصارعت وتناحرت وتباغضت وتحاسدت وتناجشت فكانت أكبر مثالٍ لأذل حياة ...
(كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام) .. كلمات ثمينة أُسقطت من خلالها الحسابات الشخصية والمصالح الفردية لتذيب معها كل الغايات نحو غايةٍ أسمى وأنبل، أعلى وأجل .. لا إله إلا الله .. كلمة التوحيد الخالدة ومفتاح الملك الذي لا يبلى .. السبيل الأمثل والطريق الأصوب وكل ما سواها فهو باطل .. الزعامات , الرايات، الجماعات، التنظيمات كلها باطلة إلا من كان منها لله الواحد القهار ..
يخط النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض خطوطًا ثم يخط خطًا آخر والصحابة ينظرون .. فتلك سبل الشيطان وهذا سبيل الواحد المنّان .. فلا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله .. سبيل العزة والكرامة .. سبيل الحياة الإنسانية الرفيعة التي تحددت معالمها منذ يومها الأول لكل ذي لب .. ما له وما عليه .. سبيل عظيمة ما زالت خالدة بخلود الحق .. صدق الرجال في عهدهم مع الله فباعوا من أجلها النفس والنفيس .. وأدرك معناها المبطلون وبدأت المحن .. ثلة من المهتدين أمام الشرك وأزلامه وأدواته .. حملات من القهر والتنكيل صور من التشهير والتحقير .. ورمي بالجنون والتسحير .. اجتماعات ومؤتمرات .. دعم بالأموال والرجالات .. أعدادٌ وعُدَدْ .. لكن .. {هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [2] . ولكنها العقائد الجاهلية الفاسدة التي تحرك أبنائها لمواجهة الحق الزاحف الذي لا يزال أبلجًا واضحًا رغم قلة من يدركونه {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [3] لكنهم المؤمنون الحريصون على إيصال الحق للناس كافة .. رحمة بهم وشفقة عليهم من متاهات الجاهلية المظلمة الظالمة. يقول الصحابي الجليل (ربعي بن عامر) لرستم رمز الكفر وقائد الفرس (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل القرآن ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)
"لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسيسًا. ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة. سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث ولله يريد أن يطيبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياةٍ أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعًا .. وإذا كنتم أنتم لشقوتكم لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية، لأن أعداءكم _ أعداء هذا الدين _ يتكتلون للحيلولة دون قيام هيه الحياة، ودون تجسد هذه"
(1) 107 - أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 62 وصححه
(2) 108 - يوسف 108
(3) 109 - يوسف 103