فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 253

تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله. وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فبيّنوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله) [1] ولقد كانوا والله قوم صابرون صدقوا الله ورسوله وسجلوا هذا الصدق على صفحات التاريخ بمدادٍ من دماء. وتجلى صبرهم في بدر الفرقان وما تلاها من وقائع وهم الذين قال عنهم قائدهم وحامل لوائهم يوم بدر سعد بن معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم (فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن نتلقى بنا عدوًا غدًا. إنا لصُبرٌ في الحرب صُدَّقٌ في اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك فسِر بنا على بركة الله) [2] ولقد أراه الله تعالى منهم ما كان الإجابة العملية الصادقة على سؤال أسعد بن زرارة لهم يوم العقبة المباركة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (وترك الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل المداهنة والمعاشرة ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين أعظم ضررًا وأكبر إثمًا من تركه لمجرد الجهالة فإنهم رأوا أن المعيشة لا تحصل إلا بذلك فخالفوا الرسل وأتباعهم وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم ويسالمونهم ويستجلبون مودتهم ومحبتهم. وهذا مع أنه لا سبيل إليه فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة فما ذاق طعم الإيمان من لم يوال في الله ويعاد فيه. والعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله وهذا يحصل بإيثار مرضاته والغضب إذا انتكهت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم وعدم الغضب والاشمئزاز وسوَّى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته فأيُّ خيرٍ يبقى في قلب كهذا) [3] أهـ بتصرف يسير.

واعلم أخا التوحيد أنه ينبغي عليك أن تظهر دومًا بمظهر الملتزم للسنة الممتثل لأمر الله مولاك وإياك أن يخالف قولك فعلك لأن هذا من أسباب نفور المدعوّين وفقدان الثقة من الآخرين. بل يجب أن تعامل الناس بخلقٍ حسن قويم حتى يحبك الآخرون. ويقتفى أثرك المدعوون. وأعلم أن أولى الدرجات في سلم استجلاب الناس وهدايتهم على الطاعات. أن يحبك الناس ويحترموك. فإنهم إن أحبوك اتبعوك في الفكرة والسلوك. واحرص ألَّا تفقد هذه الثلة بعد حين. بارتكابك شيئًا مما نهيت عنه أو بمخالفتك لشيء مما أمرت به. وتذكر عقاب الله يوم القيامة لمن كان كذلك. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه) [4] وتندلق أقتاب بطنه: أي تخرج أمعاؤه.

واعلم أن كثيرًا من الدعاة يفتقدوا الأساس القوي السليم الذي يؤسس المدعوين بناء عليه. إمّا لنقصٍ في العلم والمعرفة .. أو لخللٍ في فهم بعض العلوم والمسائل.

فاحرص أن تكون فقيهًا فيما تدعو إليه. فقيهًا فيما تنهى عنه. فقيهًا فيما تتبع من دين. ألا وإن الإسلام عظيم ولا يبلغه إلَّا صابرٌ على العلم والقلم والعلم بالتعلم كما الصبر بالتصبر وأنت خبير أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو العمل بما علمت جهاد في سبيل الله. بل هو أصل الجهاد وما الجهاد إلا فرع عنه فإن المقصود الأعظم من الدعوة والجهاد على حدٍ سواء هو هداية الخلق وردهم إلى الجادة وتوجيههم إلى عبادة الله خالقهم باعتقادٍ سليم على صراطٍ مستقيم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس من وراء

(1) 233 - رواه أحمد والبيهقي

(2) 234 - انظر الرحيق المختوم وكذلك الظلال"تفسير الأنفال"

(3) 235 - الدرر السنية جزء الجهاد 35

(4) 236 - متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت