فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 253

ذلك من الإيمان حبة خردل) [1] وقال صلى الله عليه وسلم (الجهاد أربع ... الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في مواطن الصبر وشنئان الفاسق) [2]

وحريٌ بنا في هذا المقام أن نحذر من العيوب والأمراض الخطيرة التي يعيشها المسلمون والتي ينبغي على المجاهد الحذر منها وأن يخافها على نفسه. ورأس هذه العيوب وأخطرها حب الدنيا وكراهية الموت ...

وهذا هو الوهن المشار إليه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهو سبب تألب الأعداء علينا من كل حدبٍ وصوب دون أدنى خشية منهم لنا لأن الله قد نزع مهابتنا من صدورهم كما جاء في الحديث نفسه. ولأنهم يعلمون أننا آثرنا الدنيا وملذاتها على الصدع بالحق والتضحية في سبيله.

واعلم أخانا أن الدنيا عند السابقين كانت لا تساوي جناح بعوضة وهذا الذي جعلهم آسادًا في فتوحاتهم لأنهم كانوا ينظرون إلى الدنيا من خلال قوله تعالى {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [3] ومن خلال قول نبيهم صلى الله عليه وسلم (الدنيا دار من لا دار له ولها يجمع من لا عقل له) كانوا يعلمون أن الركون إلى الدنيا الزائلة وترك القتال من أجل إقامة الحق معناه الهلاك والفتن والمفاسد. ولذلك قال القرطبي في قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [4] قال رحمه الله: (قال أبو عبيد: والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم أن تغلبون وتغنمون وتؤجرون ومن مات شهيدًا وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون ويذهب أمركم. قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا الفرار فاستولى العدو على البلاد، وأي البلاد، فقتل وأسر وسبى واسترق فإنا إليه راجعون ذلك فيما قدمت أيدينا وكسبته) [5] .

قلت: وهكذا كان ضياع فلسطين وما يحصل لأهلها اليوم ولغيرهم من المسلمين في شتى البقاع ما هو إلا نتيجة طبيعية لابتعادهم عن دينهم ونصرته وحبهم للدنيا وزينتها. ورحم الله عليًا وهو يذم الدنيا ويحذر من عاقبة الحرص عليها حيث يقول:-

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت ... أن السلامة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها ... إلا التي كان قبل الموت بانيها

فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنها ... ... وإن بناها بشرٍ خاب بانيها

أين الملوك التي كانت مسلطنة ... ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ... وديارنا لخراب الدهر نبنيها

كم من مدائن في الآفاق قد بُنيت ... أمست خرابًا وأفنى الموت أهليها

لا تركنن إلى الدنيا وما فيها ... ... ... فالموت لا شك يغنينا ويفنيها

واعمل لدارِ غدٍ رضوانُ خازنها ... والجار أحمد والرضوان ناشيها

قصورها ذهبٌ والمسك طينتها ... ... والزعفران حشيش نابت فيها

(1) 237 - رواه مسلم

(2) 238 - كنز العمال

(3) 239 - العنكبوت 64

(4) 240 - البقرة 216

(5) 241 - تفسير القرطبي 3/ 43

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت