فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 253

وللدعاة والمجاهدين وأهل الخير من المسلمين نقول , حسبكم في جهدكم وجهادكم ودعمكم قول الباري سبحانه {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [1]

ويجب على المجاهدين أن يكونوا حريصين من بعض الجهات التي ربما تقدّم الدعم من أجل غايات معينة ومعروفة وخاصة الجهات المرتبطة بالحكومات والتي تبتز المواقف وتطلب التنازلات حتى لو عن شيءٍ يسيرٍ من المرتكزات والمبادئ لصالح الطرف الآخر. فكم من جماعةٍ ساومها الماكرون على عقيدتها ومبادئها مقابل تقديم هذه المساعدات , وكم من ماكرٍ نظَّر لفكره ومذهبه على الدعوة وأصحابها مقابل هذه المساعدة وكم من حاقدٍ دعم حركةٍ بغرض احتوائها وقد صارت على الأرض أمرًا واقعًا ثم هو من سعى جاهدًا للإطّلاع على أسرارها حتى سهل الله القضاء عليها عند سنوح الفرصة.

نقول وبالله التوفيق أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه الكفار أصحاب المبادئ الفاسدة بالأموال والمتاع وكل ما يتعلق بزينة الحياة وشهواتها على أن يترك الدعوة مرة بل أن يساوم على شيء من هذه الدعوة مرارًا لكنه رفض العروض رفضًا قاطعًا حتى لو كان العرض هو تركه يصلي ويصوم ويحج ويدعو إلى ذلك بحرية مقابل عدم التعرض لهم ولآلهتهم رفض لأن الدين إيمان بالله وكفرٌ بالطاغوت وكان له صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده , ولنا في رسول الله أسوة حسنة لما كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا.

وينبغي على المجاهدين كذلك الحذر من المنَّانين بعطائهم أن يعوقهم ذلك يومًا عن متابعة الطريق ومن باب التذكير بالخير والنهي عن الشر نذكر لإخواننا وللمسلمين جميعًا قول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [2]

يقول سيد قطب رحمه الله(والمن عنصر كريه لئيم وشعور خسيس واطٍ فالنفس البشرية لا تمن بما أعطت إلا رغبة في الاستعلاء الكاذب أو رغبة في إذلال الآخذ , أو رغبة في لفت أنظار الناس فالتوجه إذن للناس لا لله بالعطاء.

وكلها مشاعر لا تجيش في قلب طيب ولا تخطر كذلك في قلب مؤمن فالمن - من ثم - يُحيل الصدقة أذى للواهب والآخذ سواء , أذى للواهب بما يثير في نفسه من كبر وخيلاء ورغبة في رؤية أخيه ذليلًا له كسيرًا لديه , وبما يملأ قلبه بالنفاق والرياء والبعد من الله , وأذى للآخذ بما يثير في نفسه من انكسار وانهزام ومن ردِّ فعلٍ بالحقد والانتقام) [3]

وحسبنا أن نقول للمجاهد أن صاحب أي دعوة لن تقوم لدعوته أي قيمة في الناس إذا ما كان كسبه من وراء دعوته أو على أساس من عطايا الناس وصدقاتهم , ولذلك رأينا المجاهد الأول محمد صلى الله عليه وسلم وكيف كان أحرى الناس بأن يعتمد في معيشته على جهده الشخصي أو من مورد شريف لا استجداء فيه , فعمل في التجارة والرعي وغيرهما حتى لا تكون عليه لأحدٍ من الناس منَّة أو فضل في دنياه , فيعوقه هذا عن الصدع بكلمة الحق في وجهه غير مبالٍ بالموقع الذي قد يقع من نفسه , عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة (اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة) [4] وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس الغني عن كثرة العرض , ولكن الغنى غنى النفس) [5]

(1) 411 - البقرة 274

(2) 412 - البقرة 264

(3) 413 - الظلال 1/ 306

(4) 414 - متفق عليه

(5) 415 - متفق عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت