انكشفت عني غشاوة من العمي واحسست اني انا والجيل الذي انا منه وهو جيل المدارس المصرية قد تم تفريغنا تفريغا يكاد يكون كاملا من ماضينا كله من علومه وادابه وفنونه وتم ايضا هتك العلائق بيننا وبينه وصار ما كان في الماضي متكاملا متماسكا مزقا متفرقة مبعثرة تكاد تكون خالية عندنا من المعنى والدلالة ولانه غير ممكن ان يظل الفارغ فارغا أبدا فقد تم ملء هذا الفراغ بجديد من العلوم والاداب والفنون لا تمت الى هذا الماضي بسبب واننا لنستقبله استقبال الظاميء المحترق قطرات من الماء النمير المثلج في خلال هذه الاعوام تبين لي امر كان في غاية الوضوح عندي وهو قصة طويلة قد تعرضت لاطراف منها في بعض ما كتبت ولكني اذكرها هنا على وجه الاختصار صار بينا عندي اننا نعيش في عالم منقسم انقساما سافرا عالم القوة والغني وعالم الضعف والفقر او عالم الغزاة الناهبين وعالم المستضعفين المنهوبين كان عالم الغزاة الممثل في الحضارة الاوروبية يريد ان يحدث في عالم المستضعفين تحولا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا فهو صيد غزير يمد حضارتهم بجميع اسباب القوة والعلو والغنى والسلطان والغلبة والطريق الى هذا التحول عمل سياسي محض لا غاية له الا اخضاع هذا العالم المتخلف اخضاعا تاما لحاجات العالم المتحضر التي لا تنفد ولسيطرته السياسية الكاملة ايضا ومع ان هذا العمل السياسي المحض المتشعب قد بدأ تنفيذه منذ زمن في اجزاء متفرقة من عالمنا الا انه بدأ عندنا في مصر قلب العالم الاسلامي والعربي مع الطلائع الاولى لعهد محمد علي بسيطرة القناصل الاوربية عليه وعلى دولته وعلى بناء هذه الدولة كلها بالمشورة والتوجيه ثم ارتفع الى ذروته في عهد حفيده اسماعيل بن ابراهيم بن محمد علي الخديوي حتي جاء الاحتلال الانجليزي قي سنة 1882 وبمجيئه سيطر الانجليز سيطرة مباشرة على كل شيء وعلى التعليم