الى يومنا هذا ايضا ويكفي ان أقول ان جيلنا جيل المدارس المفرغ كان في خلال ذلك قد كبر وانفلق عن فريقين فريق قانع بما تجود به عليه اقلام الاساتذة الكبار من تلخيص وتجديد فهو لا يزال اليهم متطلعا وبهم متعلقا ثم لا يزيد وفريق يسر الله له السبيل الى معرفة المنبع فرأي نفسه قادرا على ان يغترف من حيث اغترف اساتذته لقد اطلع على اطول ما كانوا يلخصونه وما كانوا يجددون به مكتوبا بلغته او بلغاته على الاصح واحس ايضا ان الاصل الذي يقرؤه بلغته مضيء حي مكثف عميق الدلالة وان تلخيص الاساتذة وتجديدهم كاب لونه خامدة حياته متخلخل قريب التناول ومع هذا الذي احس به فانه من حيث لا يدري يشعر بتفوق هؤلاء الاساتذة الملخصين المجددين عليه ولكنه لا يستطيع ان يجد تفسيرا لهذا التفوق مع ان تفسيره يسير هين وذلك ان علائق الاساتذة بثقافة امتهم كانت علائق لم تمزق كل التمزيق وبفضل هذه العلائق استطاعوا ان يعطوا تلخيصهم نفحة من سر انفسهم يمتازون بها وان يكونوا أقدر منهم على التجديد لان ما عندهم كان يمكنهم من الاختيار ثم من نفي ما هو غث او سافط ومن اخفاء السطو اخفاء فيه ذرو من المعرفة اما م فقد فرغوا تفريغا يكاد يكون تاما من اصول ثقافتهم التي ينتمون اليها بالوراثة ولذلك فهم يحسون في أنفسهم ما يشبه العجز اذا ما قارنوا بين أنفسهم وبين هؤلاء الاساتذة وهذا هو الموقف العصيب الذي كان فيه جيلنا يومئذ ثم استمرت عليه الاجيال بعدنا وهي تشعر شعورا واضحا بتفوق هذا الجيل من الاساتذة الكبار الملخصين والمجددين مع ان الامر كما قلت قائم في الحقيقة على السطو البين او الخفي على اعمال ناس اخرين يكتبون في لغاتهم بألسنتهم ويعبرون عن أنفسهم وعن حضارتهم وعن ثقافتهم لا عن أنفسنا أو عن حضارتنا أو عن ثقافتنا نحن ومع ذلك فان جيلنا والاجيال التي تتابعت بعده لم ترد