فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 186

يلوح في قراءتي وشرحي لكتاب"طبقات فحول الشعراء"لابن سلاّم الجمحي, وفي قراءتي وتعليقي على كتاب"جمهرة نسب قريش"للزُّبير بن بكّار, وفي مواضع كثيرة جدًّا متفرقة في قراءتي وتعليقي لكتاب أبي جعفر الطبري في تفسير القرآن, وفي سائر ما كتب الله لي أن أنشره من الكتب.

بل .... بلْ أنت واجدُه ساطعًا كلّ السّطوع في ديوان"القوسُ العذراءُ", حيث تجدُ ثلاثةٌ وعشرين بيتًا قالها الشمّاخ الشاعرُ في قصيدته الزائية, التي وصف فيها قوسًا وقوّاسها الذي صنعها بيديه وسوّاها حتّى استوتْ, ففُتِن بحبِّها قوّاسها هذا وانطوى قلبه على الضّنِّ بها. ثم دعاه داعِي الحجّ فأسمعه, فانطلق خارجًا من باديته, فوافى بها أهل المواسم, فانبرى لقوسه هذه تاجرٌ غنيٌّ شديد المكر والدّهاء, فساومه بها فأطال المساومة. قوّاس فقير بائسٌ, وغنيٌّ ماكر حلو اللّفظ واللسان , فاغترّه بالمال والغنى حتى ذهل بفقره عن نفسه وهواه , وفي غمرة ذهوله أسلم له قوسه وقبضَ المال, ولم يكدْ حتى استفاق,وتلفّت فلم يجدْ قوسَه وحشاشة نفسه, ولم تقع عينه على هذا التاجر الذي انقضّ على قوسه كالعقاب الكاسر وطار بها حيث لا يُرى, فأجهش البائس المسكين بالبكاء, ونظر إلى المال الذي بين يديه, وفاضت العين عبرةً, وسقط في هاوية الأحزان, وتساقطت نفسه بعد فراقها حسراتٍ,"وفي الصّدر حزّازٌّ من الوَجدِ حامزُ".

كنت قديما قد تذوّقت فيما تذوقت, فيما أتذوّق من الشعر العربي, بيَانًا حافلًا غزيرًا في أبيات الشمّاخ الثلاثة والعشرين. تذوّقتها غائصا في أغوار دلالة ألفاظها وتراكيبها ونظمها , بل غصْت تحت تيّار معانيها الظاهرة, وفي أعماق أحرفها, وفي أنغام جرسها, وفي خفقات نبضها,وفي دفقها السّارب المتغلغل تحت أطباقها, فأثرتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت