فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 186

بهذا التذوّق دفائن نظمها ولفظها, واستدرجت خباياها المتحجِّبة من مكامنها, وأمطت اللثامَ عن أخفى أسرارها المكتَّمة, وأغمضِ سرائرها المغيَّبة, حتَّى صرتُ كأني أقرأ قصة طويلة في كتابٍ منشور. ومضت السنون الطِّوال حتى كدتُ أنساها. ثم جاء يومٌ أذكرني هذه القصة الطويلة, فانبعثتْ فجأةً من مرقدها, وانبعثتُ أنا أقصُّ قصَّة القوسِ وقوَّاسِها , كما كانت أفضت إليّ به أبيات الشمَّاخ, وضمَّنتُها قصيدةً تزيدُ على ثلاثمئة بيتٍ, كلُّ نا فيها نبيثةٌ مستخرجةٌ من أبيات الشمَّاخ, ومن ركاز نظمها وكلماتها, بلا استكراه لقصّةٍ أو معنًى أو صورة. (الرّكاز: كنزٌ مدفون في باطن الثرى في معدنه = والمعدن: هو الذي نسمّيه اليوم"المنجم"كمنجم الذهب والفضة وغيرهما من كنوز الأرض' كريمِها وخسيسها) . (1)

فهذا , كما ترى , منهجٌ متشعِّبٌّ مطبَّقٌ على أصناف الكلامِ العربيّ, قراءةً له, أو بيانًا عنه. وببديهة العقل لم يكن من عَمَلي, ولا هو من عَمَلِ أيِّ كاتبٍ مبينٍ عن نفسه, أن يبدأ أوَّل كلِّ شيءٍ فيفيضَ في شرح منهجه في القراءة والكتابة = وإلاَّ يفعلْ, كان مقصِّرًا تقصيرًا لا يُقْبل منه بل يردُّ عليه = ثم يكتبُ بعد ذلك ما يكتبُ ليقول للناس: هذا هو منهجي, وها أنا ذا طبَّقته. هذا سخفٌ مريضٌ غير معقولٍ , بل عكسُهُ هو الصحيح المعقول , وهو أن يكتب الكاتب مطبِّقًا منهجه, وعلى القارئ

(1) نشرت"القوس العذراء"أول مرة في مجلة الكتاب (دار المعارف) في عدد أول فبراير سنة 1952 , وكتب الأستاذ عادل الغضبان كلمةً في التنويه بها. ثم نشرتها في كتابٍ سنة 1964, فكتب عنها الدكتور زكي نجيب محمود كلمة نفيسة (ضاعت مني مع الأسف) , وكتب كاتب فقال إنها قصيدة لغوية", يعني أنها متنٌ منظومٌ لحفظ غريب اللغة! ثم بعد ثلاثين سنة , (سنة 1982) , كتب عنها الدكتور إحسان عباس والدكتور مصطفى هدارة, في كتاب"دراسات عربية وإسلامية , الذي أهدى إلي بمناسبة بلوغي السبعين (ص: 3 - 457/ 15 - 478) , وكتب الدكتور محمد أبو موسى رسالة نشرها وسماها"القوس العذراء , وقراءة التُّراث".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت