شىء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل بحثة خالى الذهن خلوا تاما مما قيل"، (في الشعر الجاهلي: 11) فإنه شىء لا أصل له، ويكاد يكون، بهذه الصياغة، كذبا مصفى لا يشوبه ذرو من الصدق، (والذرو: دقيق التراب) ، بل هو بهذه الصورة خارج عن طوق البشر."
هبه يستطيع أن يخلى ذهنه خلوأ تاما مما قيل، وأن يتجرد من كل شئ كان يعلمه من قبل، أفمستطيع هو أيضا أن يتجرد من سلطان"اللغة"التي غذي بها صغيرا، وبها صار إنسانا ناطقا بعد أن كان في المهد وليدا لا ينطق؟
أفمستطيع هو أن يتجرد من سطوة"الثقافة"التي جرت منه مجرى لبان الأم من وليدها؟ أفمستطع هو أن يتجرد كل التجرد من بطشة"الأهواء"التي تستكين ضارعة في أغوار النفس وفى كهوفها، حتى تمرق من مكمنها لتستبد بالقهر وتتسلط = كلام يجرى على اللسان بلا زمام يضبطه أو يكبحه، محصوله أنه يتطلب إنسانا فارغا خاويا مكونا من عظام كسيت جلدا، لا أكثر!!
فإذا كان"ما قبل المنهج"مهددا بالغوائل كل هذا التهديد، كما بينته لك في الفقرة السالفة، (11) ، غوائل قصور الإدراك من ناحية، وغوائل الأهواء التي تبدأ بالخاطر الأول الذى يستهوي الباحث، وتنتهي إلى المكر والعبث والكذب وخيانة الأمانة- إذا كان هذا، كما وصفت لك، فما الذي يعصم من هذا الوباء الحالق الذى يحلق المعرفة حلقا من أصولها؟
فالعاصم يأتي من قبل"الثقافة"التي تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به- لا من حيث هى معارف متنوعة تدرك بالعقل وحسب، لا من حيث هى معارف يؤمن بصحتها من طريق العقل والقلب، ومن حيث هى معارف مطلوبة للعمل بها، والالتزام بما يوجبه ذاك"الإيمان"، ثم من حيث هى بعد ذلك انتماء إلى هذه الثقافة انتماء ينبغي أن يدرك معه تمام الإدراك أنه لو فرط فيه لأداه تفريطه إلى الضياع والهلاك، ضياعه هو، وضياع ما ينتمى إليه.