فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 186

فرأس الأمر، كما ترى، هو ما يتعلق بنفس النازل ميدان"ما قبل المنهج". وهو بهذه المثابة أصل"أخلاقى"قبل كل شىء وبعد كل شىء. وإغفال هذا"الأصل الأخلاقى"من قبل نازل هذا الميدان، أو من قبل التلقى عنه، يجعل قضية"المنهج"و"ما قبل المنهج"فوضى مبعثرة لا يتبين فيها حق من باطل، ولا صدق من كذب، ولا صحيح من سقيم، ولا صواب من خطأ. ولذلك قلت في الفقرة الحادية عشرة أنه موضع المخافة الدى يستوجب الحذر، ويقتضيك حسن التحرى، أى دقته، ثم أتبعته بما قلت لك في أول هده الفقرة الثانية عشرة.

ورأس كل"ثقافة"هو"الدين"بمعناه العام، والذى هو فطرة الإنسان، أى دين كان = أو ما كان في معنى"الدين"= وبقدرشمول هذا"الدين"لجميع ما يكبح جموح النفس الإنسانية ويحجزها عن أن تزيغ عن الفطرة السوية العادلة = وبقدر تغلغله إلى أغوار النفس تغلغلا يجعل صاحبها قادرا على ضبط الأهواء الجائرة، ومريدا لهذا الضبط = بقدر هذا الشمول وهذا التغلغل في بنيان الإنسان، تكون قوة العواصم التي تعصم صاحبها من كل عيب قادح في مسيرة"ما قبل المنهج"، ثم في مسيرة"المنهج"الذى يتشعب من شطره الثاني، وهو"شطر التطبيق".

وهذا الذي حدثتك عنه، ليس خاصا بأمة، بل هو شأن كل جيل من الناس كل أمة من الأمم، كان لها"لغة"وكان لها"ثقافة"، وكان لها بعد تمام ذلك"حضارة"مؤسسة على لغتها وثقافتها. فهذا"الأصل الأخلاقى"هو العامل الحاسم الذى يمكن لثقافة الأمة بمعناها الشامل، أن تبقى متماسكة مترابطة تزداد على الأيام تماسكا وترابطا، بقدر ما يكون في هذا"الأصل الأخلاقى"من الوضوح والشمول والتغلغل والسيطرة على نفوس أهلها جميعا، سواء في ذلك النازلون إلى ميدان"ما قبل المنهج"أو في ميدان"المنهج"نفسه، وهم العلماء المفكرون والأدباء، والمتلقون عنهم: تلامذة كانوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت