فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 186

بهذا العبء كله، بل (العقائد) وحدها هي صاحبة هذا السلطان على الإنسان، لأنها إما أن تكون مغروزة في فطرته منذ خلق إنسانًا عاقلًا مباينًا لسائر الحيوان، وإما أن تكون مكتسبة، ولكنها مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلة العقائد المغروزة فيه، ولأنها جميعًا هي التي يرتضعها من أمه وأبيه وجماعته منذ كان وليدا إلى أن يشب ويعقل. ولذلك قلت لك آنفًا إن هذا الضابط الرقيب يأتي من قِبَل (الثقافة) ورأسُ الثقافة هو (الدين) او ما كان في معنى (الدين) .

وأسلافنا، نحن العرب والمسلمين، قد منحوا هذا (الأصل الأخلاقي) عناية فائقة شاملة، لم يكن لها شبيه عند أمة سبقتهم، ولم يتح لأمة لحقتهم وجاءت بعدهم أن يكون لها عندهُم شبيهٌ أو مقارب. وهذه العناية بالأصل الأخلاقي هي التي حفظت على الثقافة الإسلامية تماسكها وترابطها مدة أربعة عشر قرنًا، مع كل ما مر عليها من القوارع والنكبات ووقائع الدهر على طول هذا المدى، ومع كل ما انتابها من الضعف، ومع كل ما اعتَوَرَهَا أو دخل عليها من التقصير والخلل. وبقاء هذا التماسك على طول القرون، هو وحده إحدى عجائب الحضارات والثقافات التي عرفها البشر. (1)

(1) كان ينبغي هنا أن أتمم القول في نشأة (الأصل الأخلاقي) الذي بُنيت عليه ثقافتنا، منذ حدث أول خلاف بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بين أبي بكر وعمر وزيد ابن ثابت في جمع القرآن العظيم وكتابته بين دفتين، ثم ما تلا ذلك من طلب التوثق في رواية حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ما كان من أمر علماء الصحابة في الفتوى، ثم ما كان من أمر التابعين ثم من بعدهم حتى نشأ علم الجرح والتعديل، وهو علم فريد لا مثيل له عند أمة من الأمم. ثم غلبة هذا (الأصل الأخلاقي) على الثقافة العربية الإسلامية كلها، في جميع علومها، وعناية هذه الأمة بإفراد هذا الأصل بالتأليف، كالذي ألفوه في آداب العالم والمتعلم، والفقيه والمتفقه، وعلم النظر والمناظرة، وعلم الجدل، وعلم آداب الدرس، إلى غير ذلك مما هو اليوم مجهول أو كالمجهول لانصراف الناس عنه وتركهم جمع شتاته وإعادة النظر فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت