فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 186

أحد العلماءِ فأذّن للصلاة، وصلّى المسلمُون العصر في (كنيسة آيا صوفيا) ، ومن يومئذٍ حُوِّلت فصارت مسجدًا. وانتشر الخبر كالبرقِ في أرجاء أوربة، ومادَت الدّنيا بالخبر، واهتزت دنيا المسيحية الأوربية هِزَّة لم تعرف مثلَها قطُ، ولم يبق عليها راهب ولا ملك ولا أمير ولا صعلوك إلاّ انتفض انتفاضَة الغضبَ لدينه. وما هو إلاّ قليل حتى انطلقَ (محمد الفاتح) ، وانساحت كتائب الإسلام في قلب أوربَّة ... يا لها من فجيعةٍ!! وكانَ ما كانَ ....

بيدَ أنّ هذه الواقعةَ الباطشةَ على عُنفِها، وعلى سُرعِة ما تلاها من تدفق كتائب الإسلام منساحةً في قلب أوربّة، لم تَفتَّ في عضد المسيحية الشمالية، بل كل العكس، زادها الإحساس بالخِزى والعار حماسةً وتصميمًا وَتحرّقًا وحقدًا خَالط كلَّ نفس من الخاصة والعامة، وصار هم"الترك"، (أي المسلمين) همًا مؤرقًا للعالم والجاهِل والصغير والكبير والذكر والأنثى، وهام الرهبانُ وغير الرّهْبان في جنبات أوربة غضابًا يحرّضون رعاياهُمْ على قتالِ هذه"التُرك"، (أى السلمين) ، بكل لسان قادر على الإثارة وعلى التبَشيع تبشيع هذه"الترك".

وكلما ازدادَ"الترك"توغّلًا في أرض أوربة"المقدسة"، ازداد الخوف، وازداد التحريضُ على البغضاءِ والحِقْد، ومع البغضاء المكتومةِ والتحريض، زادَ التصميم على المقاومة. وتمضي الأيام والسنون وتتطاولُ، وأوربَّةُ بأسرها لا تنام إلاَّ على فراشٍ من الرَّمضاءِ اللاذعة، لا يدع لجنب ساعةً من طُمَأنِيمةٍ، يفزِّعُه شبح"التُّرك"، وذكرى قرون طويلةٍ من الإخفاق والمَهَانَة والعار، ولا قَرارَ على دَوِىّ أصواتٍ صارخةٍ تُهيب بهم إلى رَفْع هذا العارِ ودَفْعه عن دينهم وعن أنفُسهم وعن أوطانهم بكُلّ سبيل. وكذلك رسَخت في العظام الحيّة، لا في النفوس وحدها ولا في العقول، بغصاءُ سارية مشتعلة للفظ"الترك"، (أى المسلمين) ، لا تزدادُ على الأيّام إلا توهّجًا وانتشارًا، ونزلت من النفوس منزلةَ"الدِّينِ"الراسخ في أعماقِ الفطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت