فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 186

حضارة جديدة غذِيت بالدَّم المسفوح، ومُزِجت ثقَافتها بالمكر والغَدْر والدهاء والخبث، تؤزّها نار أحقادٍ مُكَتمةٍ، ثم صارتْ لهيبًا يؤجّ أجًّا = حضارة سوف تطبِّق وحه الأرض، وهي بذلكَ كلّه حضارة إنسانيّة عالمية، أليس كذلك؟ ويزيدها إنسايةً وعالميةً أنها جاءت مبشِّرة بدين جديدٍ، عقيدته مبنيَّة على البغضاءِ والحِقْدِ والجَشع والغَدْرِ وسَفْكِ الدماءِ.

وَمعَ هذه الأساطيل الفاجرة، خرجتْ من مَكامنِها أعداد وافرة من رجالٍ يجيدون اللسان العربيّ وألسنةَ دار الإسلام الأخَر، ومنهم رهبان وغير رهبان ٍ، وركبوا البَّر والبحرَ، وزحفوا زَرَافات ووحدانًا في قلبِ دار الإسلام: على ديار الخلافة في تركية، وعلى الشام، وعلى مصر، وعلى جوفِ إفريقية وممالكها المسلمة = خرجوا وفي القلوب حميَّة الحقد المكتم، وفي النفوس العزيمة المصَمِّمة، وفي العيون اليقظه، وفي العقولِ التنبّه والذكاء، وعلى الوجوه البِشْر والطَّلاقة والبراءَة، وفي الألسنة الحلاوةُ والخِلابَةُ والممَاذقة، ولَبِسوا لجمهرة المسلمين كل زِيّ: زيَّ التاجر، زيَّ السائح، زيَّ الصَّديق الناصِحِ، وزيَّ العابد المُسْلم المتبتِّل= وتوغَّلَوا يستخرجون كلّ مخبوءٍ كان عنهم من أحوالِ دار الِإسلام، أحوالِ عامتِه وخاصَّتِه، وعلمائه وجهَّاله. وحلَمائه وسفهائه، وملوكه وسوقته، وجيوشه ورعيته، وعبادته ولهوه، وقوته وضعفه، وذكائه وغفلته، حتى تدسسوا إلى أخبار النساءِ في خدورهن، فلم يتركوا شيئًا إلاَّ خَبَروه وعَحَمُوه، وفتَشوهُ وسَبَروه، وذاقوه واستشفّوه. ومن هؤلاءِ، ومن خِبْرتهم وتجربتهم، خرجت أهمُّ طبقةٍ تمخَّضتَ عنها اليقظة الأوربية (طبقة المستسثرقين) الكبار، وعلى علمهم وخبرتهم وتجاربهم، رَسَتْ دعائِم (الاستعمار) ، ورسَخَتْ قواعد (التبشير) كما وصفتُ لك أمرَهم في آخر الفقرة السادسة عشرة = والْتَقَت حَلْقَتَا البِطَان، هذه المرَّة، على دار الإسلام، واسترخَتْ حَلْقتَاة عن المسيحية الشمالية، (انظر أول الفقرة: 14، ص: 38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت