وما هو إلاّ قليل حتى كان تحت يد (الاستشراق) آلاف مؤلَفة من مخطوطات من كتُبِ دار الإسلام نفيسةٍ منتقاةٍ، مشْتراةً أو مسروقةً، موزَّعة مفرَّقة في جميع أرْجاء أوربّة وأدْيِرتها ومَكتْباتها وجَامعاتها، وأكَبَّ عليها (المستشرقون) المجاهدون الصابرون، الذين هجروا دنْيا النَّاسِ المائجة بكلِّ زُخْرُف ومتاع، وعكفُوا بين جُدْرانٍ صامتةٍ مُغْلَقةٍ، وأكداس من الأوراقِ المكتوبة بلسان غير لسانِ أقوامِهم، يَقْضون سحابَة النَّهارِ وزُلَفًا من الليل يَفْرِزونها ورقة ورقةً، وسطرًا سطرًا، وكلمةً كلمة، بصبرٍ لا ينفَدُ وعزيمة لا تكِلّ، ويَكابدون كُلَّ مشقةٍ في الفَهْم والوقوف على أسرارِ المعاني المخبوءة تحت رموز الألفاظ العربية أو غير العربية في كل علمٍ ومعرفةٍ وفن، دينًا كان أو أدبًا أو لغة أو شعرًا أو تاريخًا أو علم بلدان، (جغرافية) ، أو طبًا أو رياضة أو فلكًا أو صناعاتٍ وآلات، كل ذلك يدرسونه بدقة ونظام وترتيب، وبتعاون كامل بينهم مهما تباعدت بلادهم وأوطانهم. ثم لا تنقطع لهم رحلة في قلب دار الإسلام وفي أطرافها، يجسون ويجربون ويختبرون، ويتعلمون ويسألون، ويجمعون كل خبرة وكل تجربة وكل معرفة، وكل صغير وكبير يعينهم على الدرس والاستفادة، وعلى فهم أسرار هذا العالم الغريب الذي كان بالأمس ممتنعًا على الاختراق قرونًا طوالًا.
ولما كانت هذه المخطوطات التي يعكف نفرٌ منهم على دراستها متفرقة في البلاد وحبيسة تحت يد عدد قليل جدًا قد يكون رجلًا واحدًا في قرية أو دير، عمدوا إلى نشر بعضها مطبوعة، لتكون تحت يد كل دارس مستشرق في أي بلدٍ كان من بلاد أوربة (1) ، ولكي تكون الفائدة أكثر تمامًا، والجهد أكثر جدوى، أنشأوا أيضًا مجلات
(1) لا تصدق من يقول لك: إن (الاستشراق) قد خدم اللغة العربية وآدابها وتاريخها وعلومها لأنه نشر هذه الكتب التي اختارها مطبوعة فهذا وهم باطل. كانوا لا يطبعون قط من أي كتاب نشروه أكثر من خمسمئة =