بكل لسان من ألسنتهم، ينشر فيها كل مستشرق نتائج بحثِه ودِراسَتِه، ويعرضُ كلَّ تَجارِبِه وخبرته وملاحظاته، لتكون عَوْنًا لكلّ دارس مستشرقٍ وغير مستشرق، وهي مجلاَّت الدراسات الإسلامية أو الشرقية. بل سَمَتْ هِمَّتُهم فبدأوا صنع (جماهر الإسلام) التي يسمونها (دوائر المعارف الإسلامية) ، (1) وكذلك صار (الاستشراقُ) في أوربة كلها هيئةً واحدةً، لها هدف واحد، ونِظام واحد، وهِمَّة واحدة، وفَهْم واحد، وأسلوب واحد، ونَظَر مُشْترَك واحد، إلى حضارةِ دار الِإسلام قديمها وحديثها.
كان هذا (الاستشراق) في نَأْنَأتِه الأولى، بعد سبعة قرون من الصِّدام الذي انتَهى بإخفاق الحروب الصليبية قائمًا على أفرادٍ قلائل: إمّا طالب معرفةٍ وعلم يتعلَّم من العربِ المسلمين ليَقْشَع الجهل عنْ نَفْسه وقومه، كما فعل (بِيكنْ) وطبقتُه = وإمّا راهبٍ ذي حميَّةٍ ودفاع عن دينه، حين أحس بالخلل الواقع في الحياة المسيحية فكل همه أن يصلح خلل المسيحية ويمكنَها من حًجَّةٍ مُقنِعةٍ تحولُ بين الناس وبين الانبهار بالِإسلام وثقافته وحضارته والتساقُط فيه، مُتًكِئًا على ما عند دار الإسلام من العلم، كما فعل (تُوما الِإكْوِينيّ) ، (انظر ما سلف فقرة: 14 ص 39: 40)
أمَّا في أوّل نأنأتِه الثانية، عند فجر اليقظَةِ الًاوربيّة، فكانت بِعْثاته في دارالإسلام تعود من جولتها إلى أوربّة لآداءِ عملين عظيمين هما: إمداد علماء اليقظةِ بمزيدٍ
= نسخة، = ولم تزل هذه سنتهم إلى يومنا هذا = توزع على مراكز الاستشراق في أوربة وأمريكا، وما فضل بعد ذلك وهو قليل جدًا، كانت تسقط منه إلى بلاد العرب المسلمين النسخة والنسختان والعشرة على الأكثر، لم يسعوا قط إلى تسويقها بين ملايين العرب والمسلمين كما يسوقون بضائعهم وتجاراتهم وسائر ما ينتجون، بين هذه الملايين طلبًا لربح المال. هدفهم كان ما قلت لك لا غير.
(1) (دائرة المعارف) أو (الموسوعة) كما هو شائع، اخترت أن أسميها (جمهرة) كما سمى أسلافنا كتبهم (جمهرة اللغة) و (جمهرة الأنساب) و (جمهرة الأمثال) وبينت ذلك في كتابي (أباطيل وأسمار) ص: 273، 274. وجمع (جمهرة) : (جماهر)