كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 124
طاهرة من الحيض أكثر من عشرة أيام، وأخرى لم ينقطع عنها أبدا، فهي مستحاضة دائما، ومع ذلك صحتها جيدة، نهايته أنها نحيفة ذات حساسة شديدة. وتشاهد هذه الأدوار كثيرة على الخصوص في البلاد الحارة في النساء العصبيات بدون أن يغير ذلك صحتهن، وفي زمن اليأس تتبدل النحافة التي تصاحبهنّ غالبا بالسمن، فكأن النزيف الذي كانت الرحم تقذفه يرجع كله بالمنفعة على النية، وبعض النساء يكون دورهن اثنين وثلاثين يوما أو خمسا وثلاثين أو أربعين بل شهرين أو ثلاثة مع كون ثقل الحيض فيهن كغيرهن من العالم، وذلك يشاهد في نساء الأقاليم الباردة جدّا وربما شوهد ذلك بالندرة في بعض النساء الساكنات في الأقاليم الحارة، وزعم بعضهم أن جميع النساء تحيض في الخمسة عشر الأول من الشهر، فبعضهن من الأول إلى الثامن، والباقي من الثامن إلى الخامس عشر، مع أن المشاهدات تبطل ذلك، فقد شاهدنا من تحيض في آخر الشهر كأوله في جميع أشهر السنة، فالحق أن ليس لذلك ضابط ثابت، وأما أسباب الطمث فاختلفت فيها آراء الحكماء قديما وحديثا، فبعضهم قال موافقة ل «أرسطاطاليس» و «جالينوس» : إن الحيض ناشئ من امتلاء عام أو موضعي وزيادة وافرة في الدم، وقال بعضهم: إنه ناشئ من كون دم الرحم محتويا على مقدار كبير ومن عنصرين هما الكربون والأزوت، ونسبه آخرون الضعف نسبيّ في جدران الأوردة الرحمية، والآراء في ذلك كثيرة محشوة بكلمات لا طائل تحتها ولا تجدي نفعا، وذلك كمثل مسألتنا التي نحن بصددها، فإن مثل تلك الافتراضات تزيد في عسر تلك المسألة ولا تحلها، وكما لم يعرف جيدا سببه العام لم يوضح جيدا أيضا سبب مجيئه أدوارا ف «أرسطاطاليس» ومن تبعه نسبوا ذلك لتأثير القمر واشتهر ذلك في القبائل وكلام الشعراء، وتبعهم على ذلك جملة من الحكماء، لكن يضعف ذلك أن المرأة الواحدة قد تحيض في الأوجه المخالفة لدورة القمر في مدّة سنين بل في سنة واحدة، وبالجملة فإيضاح ذلك يستدعي بحثا جديدا، وقد أولع جميع الفلاسفة قديما وحديثا أيضا بالبحث عن الأسباب الغائبة- أي عن غاية الحيض وثمرته- فكانت النتيجة قليلة الجدوى؛ لأن قولهم: إن هذه الوظيفة تعرض الرحم للحبل، وتحفظ فيه تلك الخاصية، وتتغذى منه البذرة إذا انقطع في مدّة الحمل وتنمو بدون أن تضعف المرأة. لا يدل على شيء، وإنما من المعلوم أن العلوق لا يحصل غالبا قبل ظهور الحيض الأول ولا بعد سن اليأس، لكن لا يعرف سبب ذلك، فالحيض علامة للحبل في الغالب لا سبب له، فليست غيبوبة الحيض هي التي تنتج العقم، وإنما النساء اللاتي لم يحضن يكن في الغالب عقيمات؛ لأنه في كلا الحالين فقد شيء مما يتعلق بأعضاء تناسلهنّ، فالطمث ودوريته وأسبابه بإذن وأمر الحكيم الخبير المدبر القادر البصير.