كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 157
إعانة هذه الحواس على جزئياتها، فظهر أن السبب الأول المحدث لهذه المعارف في النفوس والعقول هو أنه تعالى أعطى هذه الحواس أفئدة، أي مراكز، ولكل مركز إحساس مخصوص، والكل يعاون بعضها بعضا، فلهذا السبب قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النّحل: الآية 78] . ليصير حصول هذه الحواس سببا لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطريق الذي ذكرناه، فهذه أبحاث شريفة عقلية محضة مدرجة في هذه الآيات، وقال المفسرون: وجعل لكم السمع لتسمعوا مواعظ اللّه، والأبصار لتبصروا دلائل اللّه، والأفئدة لتعقلوا عظمة اللّه. والأفئدة جمع فؤاد؛ نحو أغربة وغراب، قال الزجاج: ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد، وما قيل فيه فؤدان كما قيل غراب وغربان. وأقول لعل الفؤاد إنما جمع على بناء جمع القلة تنبيها على أن السمع والبصر كثيران، وأن الفؤاد الممد لهما قليل؛ لأن الفؤاد إنما خلق للمعارف الحقيقية والعلوم اليقينية، وأكثر الخلق ليسوا كذلك، بل يكونون مشغولين بالأفعال البهيمة والصفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤاد؛ فلهذا السبب ذكر في جمعه صيغة جمع القلة، فإن قيل:
قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ) [النّحل: الآية 78] . عطف على قوله:
أَخْرَجَكُمْ) [النّحل: الآية 78] . وهذا يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج من البطن، ومعلوم أنه ليس كذلك، فالجواب أن حرف الواو لا يوجب الترتيب، وأيضا إذا حملنا السمع على الاستماع، والأبصار على الرؤية زال السؤال.
وفي الظواهر الإلهامية والذهنية مباحث:
«المبحث الأول في الظواهر الإلهامية» :
حيث كان الإنسان موضوعا في وسط العالم، فلا يمكنه أن يعيش ويحفظ نفسه إلا بمخالطته للأجسام المحيطة التي يأخذ منها وسائط معيشته، وأعضاء الحواس والجهاز العصبي هما المعدان لمخالطته لهذه الأجسام كي يعرف بهما ما ينفعه منها وما لا ينفعه أو يضره فيسعى في تحصيل الأولى وترك الثانية، ولهذه المخالطة أسباب ووسائط موجودة فيه، فالأسباب احتياجاته، والوسائط أعضاء الحواس السابق ذكرها، وينبوع هذه الاحتياجات منوط بوجود الحياة، وتدرك هذه الاحتياجات في الإنسان بمركز المخالطة، ومتى كانت الأجسام الأجنبية غير مخالطة للسطح الظاهر من الجسم وكان مركز الإدراك جاهلا لها، فلا ينتج من ذلك إلا مشقة محيرة لا يمكن التعبير عنها تؤدينا إلى سعي لا تعرف غايته، وربما شبه ذلك بحركات الجنين لا سيما عند قرب ولادته، وبصراخه أيضا بعد خروجه من الرحم،