كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 186
هذا العمود وينثني بميله إلى الأمام والخلف حاصل من المحور المار فيما بين جسم كل فقرة وثقبها العظيم، وفي هذه الحركات قد ينضغط الجزء المقدم للغضاريف بين الفقرات، وقد ينضغط الجزء الخلقي حال انزلاق بعض النتوءات المنحرفة على بعض حتى تكاد أن تفارق بعضها ومنفعة النتوءات الشوكية منع الجسم عن أن يجاوز حده في الانحناء إلى الخلف، والقطع الليفية الغضروفية الضامة للفقرات ببعضها المختصة بالدونة العظمية هي التي تضبط لثقل الجسم إذا دام انضباطها زمنا طويلا، فتنخفض قليلا، وتقصر قامة الإنسان يسيرا، وهذا هو السبب في قصر قامة الأشخاص في المساء عن الصباح، وطول عظم الفخذ في البشر أكثر من طوله في الحيوانات، وهذا الطول الخاص به هو المفيد في تمكن الشخص من إراحة جسمه بالارتكاز عليه، وليس من عظمى الساق ما يركز عليه الجسم إلا عظم القصبة، وأما عظم الشظية الموضوع في الجهة الوحشية فليس له إلا منفعة نسبية في مفصل القدم مع الساق، وهي أنه يثبت القدم ويمنع انقلابه إلى الجهة الوحشية، وأما القطع العظمية المكونة للقدم فلها منفعتان. (إحداهما) : أنها تعين على صلابة القدم. (وثانيتهما) : أنها تلطف الارتجاج، وتمنع النتائج المضرة الصادرة عن سقطة قوية على الأرض، فإن من أراد أن يثب من محل مرتفع اجتهد في أن يجعل ثقله على أطراف قدميه أكثر من أن يجعله على عقبيه، لكي تضعف هذه الحركة بانتقالها إلى جميع المفاصل الصغيرة الرسغية هذه الشظية، ومن المعلوم أنه إذا سقط على جميع باطن قدميه اتجهت الحركات كلها إلى الفخذ، فيحصل في عنقه انكسار (ثم اعلم) إن الجوهر الخاص للعظام خلوي، هالته محتوية على مادة ملحية متبلورة ناشئة من الدم تتحد بالعظام بقوة مخصوصة ملازمة لمنسوجاتها، وفي هذا النسيج تنتشر شرايين وأوردة وأوعية لينفاوية بمقدار عظيم، وكمية المادة الملحية والجزء العضوي الذي في العظام يختلفان على حسب السن ففي سن الطفولية يكون الجزء العضوي متسلطنا، فتكون فيه العظام سلسلة، وحصول الكسر فيها يكون نادر، وإذا حصل يزول سريعا بخلاف سن الشيخوخة فإن فيه يكون الجزء الغير العضوي غزيرا جدا، وتضعف فيه القوة الحيوية التي في العظام، فتكون هشة سريعة الانكسار عسرة الالتئام، وقد ذكر المشرحون أن في تركيب العظام ثلاثة جواهر الجوهر المندمج والإسفنجي والشبكي، أما الأول فهو المتراكم في مركز العظام، وهو الأكثر صلابة من البقية، ومن هذا المركز تحدث صلابة العظام اللازمة لها التي هي أول ما يظهر في سن التعظم، فابتداء تعظم العظام وصيرورتها صلبة يكون من جزئها الذي ينبغي أن يتحمل التكلفات العنيفة، وأما الثاني وهو الإسفنجي، فهو الكائن في سمك العظام القصيرة، وفي أطراف العظام الطويلة التي بتجمعه فيها يصير ذا منفعتين، الأولى أن يجعل لها أسطحية مفصلية كثيرة السعة تزيد في ثقلها، والثانية أن يبعد الأوتار عن خطها المتوازي،