فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 270

ذنبها بطرف القبة، ثم هبطت فأكلت كل ما عملوا في الميلين، والناس ينظروا إليها لا يحسبون أنه سحر، ثم أقبلت نحو فرعون لتبتلعه فاتحة فاها ثمانين ذراعا، فصاح بموسى- عليه السّلام- فأخذها فإذا هي عصاه كما كانت ونظرت السحرة، فإذا هي لم تدع من حبالهم وعصيهم شيئا إلا أكلته وحققوا أمرها فوجدوها حيوانا حقيقيا لا حيلة فيها، بل حيوانا ذا رئة وتنفس وأوردة، فعرفت السحرة أنه ليس بسحر، فخروا سجدا وقالوا: آمنا برب العالمين رب موسى وهارون عليهما السّلام.

(المسألة الثانية) الهاء في قوله: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) [طه: الآية 66] . كناية عن موسى عليه السّلام،

والمراد أنهم يلقون في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى- عليه السّلام- أنها تسعى كسعي ما يكون حيا من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة، ويقال: إنها جلود حيات محشوة بجواهر غازية مختلفة الأجناس مضادة الطبيعة فإذا سخنت من حرارة الشمس تفعل أفعالا مضطربة تتحرك، ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى.

فأما ما روى عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى- عليه السّلام- حتى تخيل ذلك مستدلا بقوله تعالى: (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف: الآية 116] وبقوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: الآية 66] . فهذه غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة، فلو صار بحيث لا يميز الوجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود، فإذا المراد أنه شاهد أشياء لو لا علمه بأنها لا حقيقة لها لظن فيها أنها تسعى، وأما قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى(67) [طه: الآية 67] . فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفا (فإن قيل) إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله اللّه تعالى في حق موسى عليه السّلام، فإنه كلمه أولا وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد، ثم سيرها كما كانت بعد أن كانت أعظم هولا من الثعابين، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية، وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية، ثم قال له بعد ذلك كله: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه: الآية 46] . فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه؟ فالجواب من وجوه:

(أحدها) : أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب، وإن كان قد علم موسى- عليه السّلام- أنهم لا يصلون إليه، وأن اللّه ناصره، وهذا قول الحسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت