كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 269
تلك الشبهة في قلبه، ويخرج بسببها عن الدين، فإن للحق أن يطالبه بتقريرها على أقصى الوجوه، ويكون غرضه من ذلك أن يجيب عنها ويزيل أثرها من قلبه، فبمطالبته بذكر الشبهة لهذا الغرض تكون جائزة فكذا هاهما.
(ورابعها) أن يكون ذلك أمرا، بل يكون معناه إنكم إن أردتم فعله فلا مانع منه حسا لكي ينكشف الحق.
(وخامسها) : أن موسى عليه السّلام لا شك أنه كان كارها لذلك، ولا شك أنه نهاهم عن ذلك بقوله: (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [طه: الآية 61] . وإذا كان الأمر كذلك استحال أن يكون قوله: (أَلْقُوا) [الأعراف: الآية 116] . أمر لهم بذلك؛ لأن الجمع بين كونه ناهيا وآمرا بالفعل الواحد محال فعلمنا أن قوله غير محمول على ظاهره، وحينئذ يزول الإشكال.
(السؤال الثاني) لم قدمهم في الإلقاء على نفسه مع أن تقديم استماع الشبهة على استماع الحجة غير جائز، فكذا تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة وجب أن لا يجوز لاحتمال أنه ربما أدرك الشبهة، ثم لا يتفرع لإدراك الحجة بعده، فيبقى حينئذ في الكفر والضلال، وليس لأحد أن يقول إن ذلك كان بسبب أنه لما قدموه على أنفسهم فهو عليه السّلام قابل ذلك بأن قدمهم على نفسه؛ لأن أمثال ذلك إنما يحسن فيما يرجع إلى حظ النفس، فأما ما يرجع إلى الدليل والشبهة فغير جائز، والجواب إنه عليه السّلام كان قد أظهر المعجزة مرة واحدة، فما كان به حاجة إلى إظهارها مرة أخرى، والقوم إنما جاؤوا لمعارضته، فقال عليه السّلام: لو أني بدأت بإظهار المعجزة أو لا لكنت كالسبب في إقدامهم على إظهار السحر، وقصد إبطال المعجزة، وذلك غيره جائز، ولكني أفوض الأمر إليهم حتى أنهم باختيارهم يظهرون ذلك السحر، ثم أنا أظهر المعجزة التي تبطل سحرهم، فيكون على هذا التقدير سببا لإزالة الشبهة وأما على التقدير الأول فإنه يكون سببا لوقوع الشبهة فكان ذلك أولى،
[قوله: (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: الآية 66] . ففيه مسائل:]
أما قوله: (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: الآية 66] . ففيه مسائل:
(المسألة الأولى) : قال ابن عباس- رضي اللّه عنهما- ألقوا حبالهم وعصيهم ميلا من هذا الجانب وميلا من هذا الجانب فخيل إلى موسى عليه السّلام أن الأرض كلها حيات، وأنها تسعى فخاف،
فلما قيل له: وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا) [طه: الآية 69] . ألقي عصاه فإذا هي أعظم من حياتهم، ثم أخذت تزداد عظما حتى ملأت الوادي، ثم صعدت وعلت حتى علقت من