كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 333
إنكار ذلك، ولا بد فيه من دليل قطعا.
(السؤال الثاني) :
لما كان قادرا على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة من خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة؟ فالجواب: يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد، ثم ذكر من الحكم المفصلة وجوها:
(أحدهما) : أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج؛ لأن المكلفين إذا تحملوا المشقة في الحرث والغرس طلبا للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالا بعد حال، علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية؛ فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية أولى، وصار هذا كما قلنا: إنه تعالى قادر على خلق الشفاء من غير تناول الدواء، لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه؛ لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعا لضرر المرض، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعا لضرر العقاب كان أولى.
(وثانيها) : أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط لحصل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء، أما لو خلقها بهذه الوسائط، فحينئذ يفتقر المكلف في إسنادها إلى القادر إلى نظر دقيق وفكر غامض، فيستوجب الثواب، ولهذا قيل: لو لا الأسباب لما ارتاب مرتاب.
(وثالثها) : أنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة.
(السؤال الثالث) :
في قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) [البقرة: الآية 22] .
يقتضي هذا نزول المطر من السماء، وليس الأمر كذلك؛ لأن الآية الشريفة مؤولة كما يأتي فإن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من كرة الأرض، وتتصاعد إلى الجو فتجتمع هناك وتنزل بعد اجتماعها، وذلك هو المطر.
فالجواب من وجوه: أحدها: أن السماء إنما سميت سماء لسموها، فكل ما سماك أي علاك فهو سماء، فإذا نزل من السحائب فقد نزل من السماء.
(وثانيها) : أن المحرك لإثارة تلك الأجزاء الرطبة من عمق الأرض جعل اللّه تعالى المنبهات تؤثر على الأجزاء الرطبة.