كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 335
(فإن قيل) : إنهم لم يقولوا إن الأصنام تنازع اللّه قلنا: إنهم لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بلفظ الند شنع عليهم بأنهم جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط، وقرأ محمد بن السميفع: (فلا تجعلوا لله ندا) .
(السؤال الثالث) : ما معنى قوله: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران: الآية 71] .
(الجواب) معناه أنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أندادا لله تعالى فلا تقولوا ذلك، فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح.
(السؤال الرابع) : اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكا يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد مطلقا، لكن «الثنوية» يثبتون إلهين أحدهما حليم يفعل الخير، والثاني سفيه يفعل الشر، وأما اتخاذ معبود سوى اللّه تعالى ففي الذاهبين «3» إلى ذلك بكثرة الفريق الأول عبدة الكواكب وهم «الصابئة» ، فإنهم يقولون: إن اللّه تعالى خلق هذه الكواكب، والكواكب تعبد اللّه تعالى، والفريق الثاني الذين يصورون الملائكة عليهم السّلام والإله والأنبياء صورا، والفريق الثالث عبدة الأوثان.
(واعلم) أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان، وذلك لأن أقدم الأنبياء عليهم السّلام فيما نقل إلينا تاريخهم وثبت هو نوح عليه السّلام، وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر اللّه تعالى عن قومه في قوله تعالى: (وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) [نوح: الآية 23] . فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه السّلام، وهي باقية إلى الآن، بل أكثر أهل العلم مستمرون على هذه المقالة، والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف فساده بالضرورة، لكن العلم بأن هذه الأحجار المنحوتة في هذه الساعة ليست هي التي خلقتنا وخلقت السماوات والأرض علم ضرورى فيستحيل مع إطباق الجمع العظيم عليه أن يكون غلطا أو خطأ فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوها:
(أحدها) : ما ذكره أبو مبشر جعفر بن محمد الفلكي البلخي في بعض مصنفاته، إن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بوجود اللّه وملائكته، ويعتقدون أن اللّه تعالى جسم
(3) قوله: (ففي الذاهبين ... إلخ. كذا بالأصل وحرر. اه.