فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 348

مشتملة على هذين البابين، واللّه تعالى جمع هاهنا بين هذين الوجهين؛ أما دلائل الأنفس فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان قبل ذلك، وأنه صار الآن موجودا، وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بد له من موجد، وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوين ولا سائر الناس؛ لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة، فلا بد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص، إلا أن لقائل أن يقول هاهنا: لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟ ولما كان هذا السؤال محتملا، ذكر اللّه تعالى عقبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجب، وهو قوله تعالى:

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً) [البقرة: الآية 22] . وهو المراد من دلائل الآفاق، ويندرج فيها كل ما يوجد من تغيرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية، فاختصاص بعضها بعض الصفات من المقادير والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها، وإلا وجب الاشتراك في الكل بتلك الصفات فلا بد وأن يكون الأمر منفصلا، وذلك الأمر إن كان جسما، عاد البحث في أنه لما اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام وإن لم يكن جسما، فإما أن يكون موجبا أو مختارا، والأول باطل، وإلا لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصفات أولى من العكس، فلا بد وأن يكون قادرا، فثبت بهذه الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم ولا جسماني، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات.

إذا عرفت هذا فنقول: إن اللّه تعالى إنما خص هذا النوع من الدلالة بالإيراد في أول كتابه لوجهين:

(الأول) : أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها اتصافا بالعقول، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى الأفهام؛ لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم أن اللّه ذكره في أول كتابه.

(الثاني) : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة، بل الغرض منها تحصيل العقائد الحقية في القلوب، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب؛ لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا؛ فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة علينا وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد؛ فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت