كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 347
والجهة تقرر مع عدم التمكن.
وأما عند من ينفي الخلاء فلا؛ لأنه وإن كان معتقد أنه لا بد من متمكن يحصل في الجهة، إلا أنه لا يقول بأنه لا بد لتلك الجهة من متمكن معين، بل أي شيء كان فقد كفى في كونه شاغلا لذلك الحيز، إذا ثبت هذا، فلو كانت ذات اللّه تعالى محتاجة إلى الحيز والجهة، لزم كونه جسما ومشابهته للحوادث، وقد علم أنهما محالان في حقه تبارك وتعالى، لما تقرر من الدلائل، فثبت أن اللّه تعالى منزه عن الجسمية والعرضية والجوهرية والحلول في مكان أو جهة.
(المسألة السادسة) :
اعلم أنه سبحانه وتعالى أمر بعبادته، والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده، ولما لم يكن العلم بوجوده ضروريا، بل استدلاليا، لا جرم أورد هاهنا ما يدل على وجوده.
واعلم أننا بينا في الأمور العقلية أن الطريق إلى إثبات وجوده سبحانه وتعالى إما الإمكان، وإما الحدوث، وأما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجوهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الدلائل الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها:
(أحدها) : الاستدلال بإمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) [محمّد: الآية 38] . وبقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (77) [الشّعراء: الآية 77] . وقوله: (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى(42) [النّجم:
الآية 42]. وقوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) . وقوله: (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ) [الأنعام: الآية 91] . وقوله: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذّاريات: الآية 50] . وقوله:
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرّعد: الآية 28] .
(وثانيها) : الاستدلال بإمكان الصفات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: (خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: الآية 164] . وبقوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً) [البقرة: الآية 22] .
(وثالثها) : الاستدلال بحدوث الأجسام، وإليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام: الآية 76] . وسيأتي.
(ورابعها) : الاستدلال بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق، وذلك محصور في أمرين: دلائل الأنفس، ودلائل الآفاق والكتب الإلهية في الأكثر