فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 377
(المسألة الأولى) :
سمى السماء سقفا؛ لأنها شبيهة بسطح باطن كرة عظيمة تشغل الأرض مركزها، وقوله تعالى: (مَحْفُوظًا) [الأنبياء: الآية 32] . أي محفوظا من الوقوع والسقوط اللذين ينجر مثلهما ما لأسقف البناء. (واعلم) أن اللّه تعالى جعل كل جرم من الأجرام مركبا من جواهر فردة لا تقبل الانقسام، وجعل تعالى فيها قوة الانضمام أي التماسك، ثم الأجسام إما بسيطة أو مركبة، فالجسم البسيط ويسمى بالعنصري، هو الذي يتكون من أجزاء دقيقة ذات طبيعة واحدة، وتسمى بالأجزاء المكملة، والجسم المركب: هو المتكون من أجزاء دقيقة متغايرة الطبيعة وتسمى بالأجزاء المكونة، فكل جزء من الأجزاء المكونة مركب من أجزاء مكملة بعدد الجواهر المركب منها الجسم، فالمركب من قصدير ونحاس كل جزء من أجزائه مشتمل على جزء من قصدير وجزء من نحاس، وكل من هذين الجزءين على حدته مكمل ومجموعهما جزء مكون وكذا المادة نوعان: أحدهما: الخواص الخاصة، وهذه تختلف في الأجسام كاللون والشكل والرائحة، والثاني الخواص العامة أعني التي تشرك فيها جميع الأجسام وهي الحيز وعدم التداخل والثقل، وقبول كل من الحركة والتحري والانضغاط والمرونة والتمدد، ومن اجتماع هذه الأشياء في المادة قوة الجذب والميل، ثم إن الكرة الأرضية المعتبرة في أبعادها وحركاتها كجرم سماوي مركبة من مواد مختلفة تظهر لنا على أربعة أحوال، أجرام جامدة وأجرام مائعة وأجرام هوائية وسائل ضوئي، فالأجرام الجامدة، يتألف منها الجزء الجامد من الأرض، والأجرام السائلة: تغطي معظم ذلك الجزء فتشغل المواضع المنخفضة من سطح الأرض وتترك الأجزاء المرتفعة منكشفة بحيث يظهر كأنها خرجت نافذة منها فتتكون منها الجزائر والبرور المرتفعة.
وَأما الأجرام الهوائية، فتحيط بالأجرام الجامدة والمائعة، ونعني الجو الذي هو مخلوط من أجزاء مختلفة وغير محسوس بالبصر وأجزاؤه التي يتألف منها تحفظ على الدوام حالتها الغازية أي الهوائية في الحرارة الاعتيادية للكرة، وأما السائل الضوئي الآتي من الجو أي الحرارة والضوء، فيظهر أنهما كما ينفذان في الفضاء ينفذان أيضا في باطن الكرة فيظهر منهما تنبه عظيم، وأعظم ما يتعجب منه شدة تأثيرها وقوتهما على جميع هذه السطوح من الجواهر والسوائل، ومع ذلك فهي كغيرها من الأجسام مطيعة لنواميس الميل والجذب.
(تنبيه) :
اعلم أن القدرة الإلهية جعلت لتركيب الأجسام قوى هي الجذب والاتحاد والتماسك.