فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 376
(أحدها) : أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل درى؛ لأنه يدرؤه أي يدفعه، واختلفوا في قوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3) [الطّارق: الآية 3] . قال بعضهم: أشير به إلى جماعة النجوم كما قلنا: فقيل: الطارق كما قال: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) [العصر: الآية 2] .
(تنبيه) :
اعلم أن الطارق في الأصل اسم فاعل من طرق طرقا وطروقا إذا جاء ليلا، قال الماوردي: وأصل الطرق الدق ومنه سمية المطرقة، وإنما سمي قاصد الليل طارقا لاحتياجه إلى طرق الباب غالبا، ثم اتسع في كل ما ظهر بالليل كأن ما كان، ثم أشبع في التوسع حتى أطلق على الصور الخالية البادية بالليل قال:
طرق الخيال ولا كليلة مدلج ... سرنا بأرحلنا ولم نتبرج
والمراد هنا النجوم البادية بالليل، وقوله تعالى: (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ(2) [الطّارق:
الآية 2]. تنويه بشأنه أثر تفخيمه بالأقسام به، وتنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها إدراك الخلق فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم، فما الأولى مبتدأ وإدراك خبر، والثانية خبر والطارق مبتدأ حسبما بين في نظائره أي: أي شيء أعلمك ما الطارق وقوله تعالى: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ(3) [الطّارق: الآية 3] . خبر مبتدأ محذوف، والجملة اسئناف، وقع جوابا عن استفهام نشأ مما قبله ما هو فقيل النجم المضيء في الغاية كأنه يثقب الظلام أو الأفلاك بضوئه وينفذ فيها، والمراد به الجنس، وهذا الجنس: هو مجموع النجوم الثوابت المسماة بالشموس، ثم الإشارة إلى أن ذلك الوصف غير كاشف عن كنه أمره، وإن ذلك مما لا تبلغه أفكار الخلائق، ثم في تفسيره بالنجم الثاقب من تعظيم شأنه، وإجلال محله ما لا يخفى، وعلماء الهيئة قالوا: إن النجوم الثواقب هي كواكب مضيئة بذاتها متناسبة البعد مع بعضها وأقربها إلينا هو قد ما بيننا وبين الشمس بمائة ألف مرة، ومنها ما يكون غير ممكن حساب مسافته لبعده عنا، وقد حسب بعضهم الضوء الواصل إلينا منها، والقاطع في كل ثانية أبلغ من سبعين ألف فرسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال فوجده لا يصل إلينا إلا في أبلغ من ثلاث سنوات، ولا حصر لعدد النجوم الثوابت، ولا يمكن أن نرصد منها بمجرد البصر إلا نحو أربعة آلاف، ويمكن بالاستعانه بالآلات أن يعد منها جملة آلاف ألوف.
(في بيان قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ(32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
قوله تعالى وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) [الأنبياء: الآية 32] فيه مسائل: