فهرس الكتاب
كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 394
ففيه مسائل:
(الأولى) :
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص (يغشي) بتخفيف الشين وفي الرعد هكذا، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالتشديد وفي الرعد هكذا قال الواحدي- رحمه اللّه تعالى-: الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، وقد جاء التنزيل بالتشديد والتخفيف، فمن التشديد قوله تعالى: (فَغَشَّاها ما غَشَّى(54) [النّجم: الآية 54] .
ومن التخفيف قوله: (فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [يس: الآية 9] والمفعول الثاني محذوف على معنى فأغشيناهم العمي وفقد الرؤية.
(المسألة الثانية) :
قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: الآية 54] . يحتمل أن يكون المراد يلحق الليل بالنهار، وأن يكون المراد يلحق النهار بالليل، واللفظ يحتملهما معا، وليس فيه تغير والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس بفتح الياء ونصب الليل ورفع النهار أي يدرك النهار الليل ويطلبه، قال القفال- رحمه اللّه تعالى-: إنه سبحانه وتعالى أخبر في هذا الكتاب الكريم بما في تعاقب الليل والنهار من المنافع العظيمة والفوائد الجليلة فإن بتعاقبهما يتم أمر الحياة وتكتمل المنعة والمصلحة.
(المسألة الثالثة) :
قوله: (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: الآية 54] . قال الليث: الحث الإعجال يقال:
حثثت فلانا فاحثث فهو حثيث ومحثوث أي مجد سريع (واعلم) أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة، وذلك هو الحق؛ لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل من الشمس والقمر وسائر الكواكب التي تخرج كل يوم فوق الأفق جهة المشرق وتختفي جهة المغرب، وتلك الحركات أشد الحركات سرعة وأكملها شدة فبمقدار ما قالوا: إن الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك في الدقيقة ثمانية عشر ميلا ونصف وربع ميل، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة فلهذا السبب قال تعالى: (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: الآية 54] . ونظير هذه الآية قوله سبحانه وتعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40) [يس: الآية 40] . فشبه ذلك السير وتلك الحركة بالسباحة في الماء والمقصود التنبيه على