فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 414

(وعاشرها) : أن الخليل عليه السّلام قال: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام: الآية 76] ولو كان المعبود جسما لكان أفلا أبدا غائبا أبدا فكان يندرج تحت قوله: (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام: الآية 76] .

فثبت بهذه الدلائل أن الاستقرار على اللّه تعالى محال فعند هذا صار للناس فيه قولان:

(الأول) : أنا لا نشتغل بالتأويل، بل نقطع بأن اللّه تعالى منزه عن المكان والجهة ونترك تأويل الآية. وروى الشيخ الغزالي عن بعض أصحاب الإمام أحمد بن حنبل- رضي اللّه تعالى عنه- أنه أول ثلاثة من الأخبار قوله عليه السّلام: الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض، وقوله عليه السّلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» . وقوله عليه السّلام: «إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمين» .

(واعلم) أن هذا القول ضعيف لوجهين:

(الأول) : أنه إن قطع بأن اللّه تعالى منزه عن المكان والجهة فقد قطع بأنه ليس مراد اللّه تعالى من الاستواء الجلوس، وهذا هو التأويل وإن لم يقطع بتنزيه اللّه تعالى عن المكان والجهة، بل بقي شاكا فيه فهو جاهل بالله تعالى اللهم إلا أن يقول: أنا قاطع بأنه ليس مراد اللّه تعالى ما يشعر به ظاهره، بل مراده به شيء آخر ولكن لا أعين ذلك المراد خوفا من الخطأ، وهذا يكون قريبا وهو أيضا ضعيف؛ لأنه تعالى لما خاطبنا بلسان العرب وجب أن لا يريد باللفظ إلا موضوعه في لسان العرب، وإذا كان لا معنى للاستواء في اللغة إلا الاستقرار والاستيلاء، وقد تعذر حمله على الاستقرار فوجب حمله على الاستيلاء، وإلا لزم تعطيل اللفظ وهو غير جائز.

(والثاني) : وهو دلالة قاطعة على أنه لا بد من المصير إلى التأويل وهو أن الدلالة العقلية لما قامت على امتناع الاستقرار، ودل ظاهر لفظ الاستواء على معنى الاستقرار فإما أن نعمل بكل واحد من الدليلين، وإما أن نتركهما معا، وإما أن نرجح النقل على العقل، وإما أن نرجح العقل ونؤول النقل، والأول باطل وإلا لزم أن يكون الشيء الواحد منزها عن المكان وحاصلا في المكان وهو محال والثاني أيضا محال؛ لأنه يلزم رفع النقيضين معا وهو باطل، والثالث باطل لأن العقل أصل النقل فإنه كما لم يثبت بالدلائل العقلية وجود الصانع وعلمه وقدرته وبعثته للرسل لم يثبت النقل في القدح في العقل والنقل معا، فلم يبق إلا أن نقطع بصحة العقل ونشتغل بتأويل النقل، وهذا برهان قاطع في المقصود، إذا ثبت هذا فنقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت