فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 415

قال بعض العلماء المراد من الاستواء الاستيلاء قال الشاعر:

قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق

فإن قيل: هذا التأويل غير جائز لوجوه:

(أحدها) : أن الاستيلاء معناه حصول الغلبة بعد العجز، وذلك في حق اللّه تعالى محال.

(وثانيها) : أنه إنما يقال فلان استولى على كذا إذا كان له منازع ينازعه وكان المستولي عليه موجودا قبل ذلك، وهذا في حق اللّه تعالى محال؛ لأن العرش إنما حدث لتخليقه وتكوينه.

(وثالثها) : الاستيلاء حاصل بالنسبة إلى كل المخلوقات فلا يبقى لتخصيص العرش بالذكر فائدة.

(فالجواب) : أنا إذا فسرنا الاستيلاء بالاقتدار زالت هذه المطاعن بالكلية. قال صاحب الكشاف: لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على البلد يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير ألبتة، وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك؛ لأنه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك، ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت حتى أن من لم يبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا قيل فيه يده مبسوطة؛ لأنه لا فرق عندهم بينه وبين قوله جواد.

وقوله تعالى: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) [المائدة: الآية 64] . أي هو بخيل بل يداه مبسوطتان أي هو جواد من غير تصور يد ولا غل ولا بسط، والتفسير بالنعمة والتمحل للتسمية من ضيق العطن، ونقول: إنا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات الباطنية، فإنهم أيضا يقولون: المراد من قوله تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) [طه: الآية 12] .

الاستغراق في خدمة اللّه تعالى من غير تصور نعل. وقوله تعالى: (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ(19) [الأنبياء: الآية 69] . المراد منه تخليص إبراهيم- عليه السّلام- من يد ذلك الظالم يعني النمروذ من غير أن يكون هناك نار وخطاب ألبتة، وكذا القول في كل ما ورد في كتاب اللّه تعالى، بل القانون أنه يجب حمل كل لفظ ورد في القرآن على حقيقته إلا إذا قامت دلالة عقلية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئا لم يخض فيه، وهذا تمام الكلام في هذه الآية الشريفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت