فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 416

(في بيان قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) [الفرقان: الآية 59] )

(اعلم) أنه سبحانه لما أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور:

(أولها) : بأنه حي لا يموت، وهو قوله: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) [الفرقان:

الآية 58].

(وثانيها) : أنه عالم بجميع المعلومات. وهو قوله: (وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: الآية 58] .

(وثالثها) : أنه قادر على كل الممكنات، وهو المراد من قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام: الآية 1] . فقوله: (الَّذِي خَلَقَ متصل بقوله:(الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) [الفرقان: الآية 58] . لأنه سبحانه لما كان هو الخالق للسماوات والأرضين ولكل ما بينهما ثبت أنه هو القادر على وجود جميع المنافع ودفع المضار، وإن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه، وفي هذه الآية سؤالات:

(الأول) : الأيام عبارة عن حركات الكواكب الليلية فقبل الكواكب لا أيام فكيف قال اللّه تعالى: (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف: الآية 54] . (الجواب) : يعني في مدة مقدارها هذه المدة لا يقال الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدما محضا، بل لا بد وأن يكون موجودا فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان. لأنا نقول هذا معارض بنفس الزمان؛ لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام، لا تحتمل خمسة أيام والمدة المتوهمة التي تحتمل خمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم هذا لم يلزم ما قلتموه. وعلى هذا فنقول لعل اللّه سبحانه وتعالى خلق المدة أولا، ثم خلق السماوات والأرض فيها بمقدار ستة أيام أي ستة أزمان مقدرات كالأيام؛ لأن اللّه تعالى أشار في جملة آيات إلى ابتداء إحداث الذوات وبقوله تعالى: (وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ) [هود: الآية 7] . وهذا إشارة لابتداء إحداث العالم، وقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) [فصّلت: الآية 11] . أي بخار فأشار تعالى إلى أن الماء صار دخان وهو يدل على الزمان الثاني. وقوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) [الرّعد: الآية 17] . فجعل تعالى البخار ماء لتولد الجزئيات التي لا تتجزأ، وهذا إشارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت