فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 960

كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 133

برجحان الإثم والعقاب، وذلك يوجب التحريم، فإن قيل: إن الآية لا تدل على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن فيه إثما، فهب أن ذلك الإثم حرام فلم قلتم إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم وجب أن يكون حراما؟ قلنا: لأن السؤال كان واقعا عن مطلق الخمر فلما بين تعالى أن فيه إثما كان المراد أن ذلك الإثم لازم له على جميع التقديرات فكان شرب الخمر مستلزما لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم المحرم محرم فوجب أن يكون الشرب محرما، ومنهم من قال: إن هذه الآية لا تدل على حرمة الخمر واحتج عليه بوجوه:

(أحدهما) : أنه تعالى أثبت فيها منافع للناس والمحرم لا يكون فيه منفعة.

(والثاني) : لو دلت هذه الآية على حرمتها فلم لم يقنعوا بها حتى نزلت آية المائدة، وآية تحريكها في الصلاة.

(والثالث) : أنه تعالى أخبر أن فيهما إثما كبيرا فمقتضاه أن ذلك الإثم الكبير يكون حاصلا ما داما موجودين، فلو كان ذلك الإثم الكبير سببا لحرمتها لوجب القول بثبوت حرمتها في سائر الشرائع، والجواب عن الأول أن حصول النفع العاجل فيه في الدنيا لاستخراج الأشياء بواسطتها لا يمنع كونه محرما، ومتى كان كذلك لم يكن حصول النفع فيهما مانعا من حرمتها؛ لأن صدق الخاص يوجب صدق العام، والجواب عن الثاني أنا روينا عن ابن عباس- رضي اللّه عنهما- أنها نزلت في تحريم الخمر، والتوقف الذي ذكرته غير مروي عنهم، وقد يجوز أن يطلب الكبار من الصحابة الكرام نزول ما هو آكد من هذه الآية في التحريم كما التمس إبراهيم- صلوات اللّه عليه- مشاهدة إحياء الموتى ليزداد سكونا وطمأنينة، والجواب عن الثالث أن قوله: (فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) [البقرة: الآية 219] . إخبار عن الحال لا عن الماضي، وعندنا أن اللّه تعالى علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في عقولهم وأبدانهم فهذا تمام الكلام في هذا الباب.

(المقام الثالث) : الإثم الكبير فيه بحثان:

(البحث الأول) : وفيه أمور:

(إحداها) : أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل ما كان عدوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت