كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 134
لأشرف فهو أخس فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور، وتقريره أن العقل إنما سمي عقلا؛ لأنه يجري، عقال الناقة فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح كان عقله مانعا له من الأقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليا عن العقل المانع منها، والتقريب بعد ذلك معلوم، ذكر ابن أبي الدنيا أنه مر على سكران، وهو يبول في يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول الحمد لله الذي جعل الإسلام نورا والماء طهورا.
وعن العباس بن مرداس أنه قيل له في الجاهلية: لم لا تشرب الخمر فإنما تزيد في جراءتك؟ فقال: ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسى سفيههم.
(وثانيها) : ما ذكره اللّه تعالى من إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة.
(وثالثها) : أن هذه المعصية من خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر، وقوة النفس عليها أقوى بخلاف سائر المعاصي مثل الزاني إذا فعل مرة واحدة فترت رغبته في ذلك العمل، وكلما كان فعله لذلك العمل أكثر كان فتوره أكثر ونفرته أتم بخلاف الشرب، فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه أكثر ورغبته فيه أتم، فإذا واظب الإنسان عليه صار غريقا في اللذات البدنية معرضا إلى هلاك نفسه ومعرضا عن تذكر الآخرة والمعاد حتى يصير من الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، وبالجملة فالخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل حصلت القبائح بأسرها، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام: «الخمر من الخبائث» .
(البحث الثاني في توضيح النتائج) :
إن النبيذ ينبه أولا المعدة فيحس أولا بعد ازدراده حالا، فإذا استعمل منه مثلا من اثنين وثلاثين درهما إلى أربعة وستين ظهر تأثيره في جميع الجسم، وذلك بأن يتحول التأثير المنبه الذي استشعرت به أعصاب المعدة وقت الازدراد إلى المراكز العصبية فتصير أكثر حيوية وتحمل تأثيراتها لمنسوجات الجسم مقدارا كبيرا من قواعد الحياة، فينتج من ذلك إحساس فجائي بقوة في الجسم، فهذه هي النتيجة الأولى العامة للنبيذ، فإذا امتصت أجزاؤه ونشرها الدم في جميع الجسم أثرت على جميع الأعضاء، فتشتد حركات القلب والقنوات الوعائية، فيقوى النبض ويسرع، ويزيد احمرار الوجه وحيويته، وتقوى الدورة الشعرية، ويكثر التنفس الجلدي، وتشتد الحرارة الحيوانية، ويتضح تأثير النبيذ في الجهاز المخي الشوكي.