كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 145
(وثانيها) : قال ابن قتيبة: الميسر من التجزئة، والاقتسام يقال: يسروا الشيء، أي اقتسموه فالجزور نفسه يسمى ميسرا؛ لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، والياسر الجزار؛ لأنه يجزئ لحم الجزور، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور أنهم ياسرون؛ لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزؤون لحم الجزور.
(وثالثها) : قال الواحدي: إنه من قولهم يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسرا إذا وجب، والياسر الواجب بسبب القداح هذا حقيقة الكلام في اشتقاق هذه اللفظة.
وأما صفة الميسر فقال «صاحب الكشاف» : كانت لهم عشرة أقداح وهي: الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرقيب والحلس بفتح الحاء وكسر اللام، وقيل: بكسر الحاء وسكون اللام والمسبل والمعلي والنافس والمنيح والسفيح والوغد لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينشرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء، وقيل: ثمانية وعشرين جزءا إلا ثلاثة، وهي المنيح والسفيح والوغد، ولبعضهم في هذا المعنى:
لي في الدنيا سهام ... ليس فيهن ربيح وأساميهن وغد
وسفيح ومنيح ...
فللفذ سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلي سبعة يجعلونها في الربابة وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل قدحا منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القدح، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيء، وعزم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصاب إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك، ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم، ثم اختلفوا في أن الميسر هل هوة اسم لذلك القمار المعين، أو هو اسم لجميع أنواع القمار، روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: (إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم) . وعن ابن سيرين، ومجاهد، وعطاء كل شيء فيه خطر فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز.
وأما الشطرنج فروى عن علي- عليه السّلام- أنه قال: النرد والشطرنج من الميسر.
وَقال الشافعي- رضي اللّه عنه-: إذا خلا الشطرنج عن الرهان، واللسان عن الطغيان، والصلاة وعن النسيان لم يكن حراما، وهو خارج عن الميسر؛ لأن الميسر ما يوجب دفع المال أو أخذ المال، وهذا ليس كذلك فلا يكون قمار ولا ميسرا واللّه أعلم.