كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 2، ص: 146
أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر، وشرحه مذكور في «كتاب السبق والرمي» من كتب الفقه.
أما الميسر فالإثم فيه أنه يفضي إلى العداوة أيضا لما يجري بينهم من الشتم والمنازعة، وأنه أكل مال بالباطل، وذلك أيضا يورث العداوة؛ لأن صاحبه إذا أخذ ماله مجانا أبغضه جدا، وهو أيضا يشغل عن ذكر اللّه وعن الصلاة، ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجة لأن من قمر لم يأكل من الجزور، وإنما كان يفرقه في المحتاجين، وذكر الواقدي أن الواحد منهم كان ربما قمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له مال من غير كد وتعب، ثم يصرفه إلى المحتاجين فيكتسب منه المدح والثناء.
(المسألة السابعة) : في قوله تعالى: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: الآية 24] .
والسبب فيه أنه تعالى ذكر أنه أنزل من السماء ماء فأنبت به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب لقائل أن يقول: لا نسلم أنه تعالى هو الذي أنبتها، ولم لا يجوز أن يقال إن هذه الأشياء إنما حدثت وتولدت بسبب تعاقب الفصول الأربعة، وتأثيرات الشمس والقمر والكواكب، فإذا عرفت هذا السؤال فما لم يقم الدليل على فساد هذا الاحتمال لا يكون هذا الدليل تاما وافيا بإفادة هذا المطلوب، بل يكون مقام الفكر والتأمل باقيا فلهذا السبب ختم هذه الآية بقوله: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [يونس: الآية 24] .
(واعلم) أن اللّه تعالى أجاب في جملة آيات عن هذا السؤال الذي ذاكرنا من وجهين:
(الأول) : نقول هب أن حدوث الحوادث في هذا العالم السفلي مستند إلى اتصالات الفلكية والتشكيلات الكوكبية؛ لأنه بل لحركتها واتصالاتها من أسباب، وأسباب تلك الحركات إما ذواتها وإما أمور مغايرة لها فالأول باطل لوجهين:
(الأول) : أن الأجسام متماثلة فلو كان جسم علة لصفة لكان كل جسمك واجب الاتصاف بتلك الصفات وهو محال.
(الثاني) : أن ذات الجسم لو كانت علة لحصول هذا الجزء من الحركة لوجب دوام هذا الجزء من الحركة بدوام تلك الذات، ولو كان كذلك لوجب بقاء الجسم على حالة واحدة من غير تغير أصلا، وذلك يوجب كونه ساكنا ويمنع من كونه فثبت متحرك فثبت أن القول بأن الجسم متحرك لذاته يوجب كونه ساكنا لذاته وما أفضى ثبوته، أى عدمه كان باطلا فثبت أن الجسم يمتنع أن يكون متحرك لكونه جسما فبقى أن يكون متحركا للغير، وذلك الغير، أما أن يكون ساريا فيه متباينا عنه.