كشف الأسرار النورانية القرآنية، ج 1، ص: 94
الخامس يعسر عليه التحرك، ولو أثر نفسه في الولادة لكان أول سبب فعل يفعله هو تمزيق الأغشية مع أن جيب المياه لا ينفجر إلا في الزمن الأخير من الطلق، بل لا ينفجر أصلا وتخرج البذرة بتمامها، وقد يبقى من الجنين رأسه أو جذعه، أو غير ذلك في الرحم، ويخرج الباقي كما يخرج الجنين الحي كله، وأيضا لا يخفى أن المشيمة والأغشية والقطع الدموية المتجمدة، والمضغ اللحمية والتجمدات الليفية، وغير ذلك ليس في شيء منها قوة على الفعل مع أنها تندفع من الرحم كما يندفع غيرها، وتحصل منها الظاهرات التي تحصل من قوى جيد الصحة فهذا كله يدل على أن الجنين ليس هو السبب المحدث للولادة، بل هو عديم الفعل في ذلك رأسا من ابتداء الطلق إلى نهايته، فيبغي أن يفتش على سبب ذلك في بنية الأم، ولم يقع هذا التفتيش إلا في الزمن المتأخر، وأما في الأزمنة السالفة فجالينوس ذكر في كتاب من كتبه أن اندفاع الجنين يكون من الرحم والعضلات الثمانية البطنية، واستحسن في كتاب آخر أن الجنين هو الذي ينطرد بنفسه ثم اضطربت آراء من بعده، فمنهم من جعل السبب هو الجنين، وأما الرحم والعضلات فمعينة له، ومنهم من نسب ذلك لقوة طاردة في الرحم ولانقباض الرحم والحجاب الحاجز أو العضلات البطنية ومنهم رأى أن فعل الرحم تابع، وأن العضلات البطنية والحجاب الحاجز هو الأصل ومنهم جعل ومنهم جعل اتساع العنق ناشئ من الرحم وأما باقية الولادة فمن الحجاب الحاجز والعضلات البطنية وهذا نظير ما أثبته بعض المؤلفين، ولعله الأقرب من أن السبب المحدث الرئيس للولادة هو انقباض الرحم، وجزء من ذلك ينسب لانقباض عضلات البطن والصدر.
«المبحث الثالث في الأسباب الذاتية المحدثة للولادة»
ثبت من المشاهدات الصحيحة أن الانقباضات الرحمية هي السبب الرئيس المحدث للولادة، فإذا وضعت يد على الخثلة وقت حصول وجع من أوجاع الطلق يحس بأن الرحم تتصلب وتكتنز وتنقبض على نفسها وإذا أدخل الإصبع في المهبل يدرك تواتر الفوهة ورقتها واتساعها، أو نقبضها على حسب زمن الطلق، فإذا انقطع الطلق لم يستشعر بشيء من ذلك، فتسترخي جميع الأجزاء، فإن عاد عادت ظواهر الانقباض، ويوضح ذلك زيادة إذا اضطرب القابلة لأن تدخل يدها في باطن الرحم، فإنها كما تلتزم حينئذ بأن توقف حركتنها وقت كل انقباض تتفقد أيضا جميع حساسية يدها وقوة تأثيرها، فتقع في حذر ولا تدرك ما تلمسه، وأيضا من المعلوم المشاهد عند جميع المؤلفين أنه قد لا يمكن وقت الطلق إدخال شيء في العنق، وأنه إذا أريد التفتيش عن شيء متجمد في الرحم أو على المشيمة أو الجنين نفسه يشاهد أن اليد تندفع بقوة عظيمة إلى الخارج أحيانا، فالتحقيق أن الانقباضات الرحمية قد