فهرس الكتاب
ثم قال الأزرقي: فنقلوا الحجارة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ينقل معهم الحجارة على رقبته فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه فنودي: يا محمد عورتك، وذلك أول ما نودي والله أعلم، فما رؤيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم عورة بعد ذلك ولبج رسول الله من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه وقال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة، قال: ما أصابني هذا إلا من التعري، فشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاره وجعل ينقل معهم وكانوا ينقلون بأنفسهم تبررًا وتبركًا بالكعبة. فلما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة والخشب وما يحتاجون إليه عدوا على هدمها، فخرجت الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء الظهر، بيضاء البطن، رأسها مثل رأس الجدي، تمنعهم كلما أرادوا هدمها. فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم وهو يومئذ بمكانه الذي هو فيه اليوم فقال لهم الوليد بن المغيرة: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلى، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم ولا تدخلوا فيه مالًا من ربا، ولا مالًا من ميسر، ولا مهر بغي، وجنبوه الخبيث من أموالكم فإن الله لا يقبل إلا طيبًا ففعلوا ثم وقفوا عند المقام فقاموا يدعون ربهم ويقولون: اللهم إن كان لك في هدمها رضًا فاتمه وأشغل عنا هذا الثعبان. فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض، ورجلاه صفروان والحية على جدر البيت فاغرة فاها، فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله سبحانه وتعالى قد رضي عملكم وقبل نفقتكم فاهدموه. فهابت قريش هدمه وقالوا: من يبدأ فيهدمه؟ فقال الوليد بن المغيرة - سنذكر ترجمة الوليد ابن المغيرة في آخر هذا المبحث - أنا أبدؤكم في هدمه، أنا شيخ كبير فإن أصابني أمر كان قد دنا أجلي وإن كان غير ذلك لم يرزأني، فعلا البيت وفي يده عتلة يهدم بها، فتزعزع من تحت رجله حجر فقال: اللهم لم ترع؟ إنما أردنا الإصلاح وجعل يهدمه حجر حجرًا بالعتلة فهدم يومه ذلك فقالت قريش: غنا نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى. فلما أمسى لم تر بأسًا، فأصبح الوليد بن المغيرة غاديًا على عمله، فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الأول الذي رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلًا، يحرك الحجر منها فترتج جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة