إن الوليد لو مضى على تأمله وتفكره لهداه عقله إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن استحوذ عليه الشيطان فنكص على عقبيه واستمسك بدين قومه، واشتدت عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثر فساده وصد عن سبيل الله فضل وأضل ولذلك اشتد غضب الله عليه فأنزل في شأنه بعض آيات في سورة المدثر، فقال عز شأنه وجل جلاله: ( ذرني ومن خلقت وحيدًا * وجعله له مالًا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدًا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه صعودا ) . إلى قوله تعالى: ( ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر ) وأنزل أيضًا في حقه بضع آيات في سورة القلم، فقال تبارك وتعالى: ( ولا تطع كل خلاف مهين * هما مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم ) إلى قوله عز شأنه: ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم ) . لم يزل الوليد بن المغيرة على كفره وطغيانه، لا يرتدع ولا يعتبر ولا ينزجر ولا يفتكر، حتى وافاه الأجل المحتوم وأنه لما حضرته الوفاة جزع جزعًا شديدًا، وكان عنده أبو جهل، فقال له ما جزعك يا عم؟ فقال الوليد: والله ما بي من جزع من الموت ولكن أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة، فقال له أبو سفيان: لا تخف، إني ضامن أن لا يظهر. ثم مات الوليد وكان موته بمكة السنة الأولى من الهجرة. فانظر عافانا الله وإياك من الأمراض الظاهرة والباطنة والحسية والمعنوية، إلى هذا الضلال المبين الذي ذهب إليه الوليد بن المغيرة، وإلى عظيم كفره وشدة كراهيته لدين الإسلام، ولرسول السلام إلى جميع الأنام، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام أنه في حال احتضاره لا يجزع لموته ومفارقة أهله وأولاده، ولكنه يجزع ويخاف من ظهور الإسلام، إنه يصرح بذلك في لحظة مفارقته للدنيا، بدلًا من أن يندم ويتوب ويستغفر، فالحمد لله الذي شرح صدورنا للإسلام وزين في قلوبنا الإيمان والخير والتقوى، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم صلى وسلم وبارك على عبدك ونبيك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.