يؤتي به إلا مغلولًا، وقد عملت لك غلًا من فضة، وتلبس فوقه الثياب، وتبر قسم أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة وأجمل بك وبه، فقال: دعوني أيامًا حتى أنظر في أمري. فشاور أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأبت عليه أن يذهب مغلولًا وقالت: يا بني عش كريمًا ومت كريمًا، ولا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك، فالموت أحسن من هذا، فأبى عليه أن يذهب إليه في غل، وامتنع في مواليه ومن تألف إليه من أهل مكة وغيرهم، وكان يقال لهم: الزبيرية. فبينما يزيد على بعثة الجيوش إليه، إذ أتي يزيد خبر أهل المدينة وما فعلوا بعامله ومن كان معه بالمدينة من بني أمية وإخراجهم إياهم منها إلا من كان من ولد عثمان بن عفان، فجهز إليهم مسلم بن عقبة المري، في أهل الشام، وأمره بقتال أهل المدينة، فإذا أفرغ من ذلك سار إلى ابن الزبير بمكة، وكان مسلم مريضًا، في بطنه الماء الأصفر فقال له يزيد: إن حدث بك الموت، فول الحصين بن نمير الكندي على جيشك، فسار حتى قدم المدينة فقاتلوه أهل المدينة فظفر بهم ودخلها، وقتل من قتل منهم، وأشرف في القتل، فسمي بذلك مسرفًا، وأنهب المدينة ثلاثًا، ثم سار إلى مكة، فلما كان ببعض الطريق حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير فقال له: يا برذعة الحمار، لولا أني أكره أن أتزود عند الموت معصية أمير المؤمنين ما وليتك، أنظر إذا أقدمت مكة فاحذر أن تمكن قريشًا من أذنك فتبول فيها، لا تكن إلا الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف، فتوفي مسلم المسرف، ومضى الحصين بن نمير إلى مكة، فقاتل ابن الزبير بها أيامًا، وجمع ابن الزبير أصحابه فتحصن بهم في المسجد الحرام وحول الكعبة، وضرب أصحاب ابن الزبير في المسجد خيامًا ورفافًا يكتنون فيها من حجارة المنجنيق ويستظلون فيها من الشمس، وكان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أبي قبيس وعلى الأحمر - وهما أخشبا مكة - فكان يرميهم بها فتصيب الحجارة الكعبة، حتى تخرقت كسوتها عليها، فصارت كأنها جيوب النساء، فوهن الرمي بالمنجنيق الكعبة، فذهب رجل من أصحاب ابن الزبير يوقد نارًا في بعض تلك الخيام، مما يلي الصفا بين الركن الأسود والركن اليماني، والمسجد يومئذ ضيق صغير، فطارت شرارة في الخيمة فاحترقت، وكانت في ذلك اليوم رياح شديدة، والكعبة يومئذ مبنية بناء قريش مدماك من ساج، ومدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها، وعليها الكسوة، فطارت الرياح بلهب تلك النار فاحترقت كسوة الكعبة واحترق الساج الذي بين البناء، وكان احتراقها يوم السبت لثلاث ليال خلون من