شهر ربيع الأول قبل أن يأتي نعي يزيد بن معاوية بسبعة وعشرين يومًا، وجاء نعيه في هلال شهر ربيع الآخر ليلة الثلاثاء سنة أربع وستين، وكان توفي لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين، وكانت خلافته ثلاث سنين وسبعة أشهر. فلما احترقت الكعبة واحترق الركن الأسود فتصدع، كان ابن الزبير بعد ربطه بالفضة، فضعفت جدارات الكعبة، حتى أنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، وتقع الحمام عليها، فتتناثر حجارتها وهي مجردة متوهنة من كل جانب، ففزع لذلك أهل مكة وأهل الشام جميعًا، والحصين بن نمير مقيم محاصر ابن الزبير، فأرسل ابن الزبير رجالًا من أهل مكة من قريش وغيرهم، فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، ورجال من بني أمية، إلى الحصين، فكلموه وعظموا عليه ما أصاب الكعبة وقالوا: إن ذلك كان منكم رميتموها بالنفط. فأنكروا ذلك وقالوا: قد توفي أمير المؤمنين فعلى ماذا تقاتل ؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر ماذا يجتمع عليه رأي صاحبك - يعنون معاوية بن يزيد - وهل يجمع الناس عليه ؟ فلم يزالوا حتى لأن لهم، وقال له عبد الله بن خالد بن أسيد: أراك تتهمني في يزيد، ولم يزالوا به حتى رجع إلى الشام. فلما أدبر جيش الحصين بن نمير، وكان خروجه من مكة لخمس ليال خلون من ربيع الآخر سنة أربع وستين، دعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم وشاورهم في هدم الكعبة، فأشار عليه ناس غير كثير بهدمها، وأبى أكثر الناس هدمها، وكان أشدهم عليه إباء عبد الله بن عباس، وقال له: دعها على ما أقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم فيتهاون الناس في حرمتها، ولكن ارقعها، فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه، فكيف أرقع بيت الله سبحانه، وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله، حتى إن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته، وكان ممن أشار عليه بهدمها جابر بن عبد الله - وكان جاء معتمرًا - وعبيد بن عمير وعبد الله بن صفوان بن أمية، فأقام أيامًا يشاور وينظر ثم أجمع على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذي يردها على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على قواعد إبراهيم، وعلى ما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، فأراد أن يبنيها بالورس ويرسل إلى اليمن في ورس يشتري له، فقيل له: إن الورس يرفت ويذهب، ولكن ابنها بالقصة، فسأل عن القصة، فأخبر أن قصة صنعاء هي أجود القصة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشتري له بها قصة ويكتري عليها، وأمر بتنجيح ذلك، ثم سأل