فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 3251

أشرفت على السلامة منها ، إذ يقال أن الرقيق فيها متى شاء التخلص من الرق ذهب إلى ديوان الضبطية وطلب العتق فيعتق في الحال ، مع أن أهل تونس ومصر يمكنهم الاستغناء عن الجواري السود بنساء الأرياف ، أما في الآستانة فلا غنى عنهن ، فلا بد لصاحب العيلة العتيق أن يصير أسيرا باستخدام واحدة أو اثنتين من هؤلاء الأسيرات . فبقي لنا أن نسأل هنا هل تدارك هذا الأمر منوط بالجوائب أو بالمجلس البلدي أو الدولة ؟ فإن رجع الأمر إلينا قلنا: أن استخدام النساء بالأجرة أولى من شراء الرقيق ، فإن المرأة متى كانت مستأجرة حرصت على أجرتها فقامت بواجب خدمتها أتم قيام ، وصانت أمتعة البيت عن الكسر والابتذال ، بخلاف الجواري فإنهن عفك لا يحسن شيئا من الخدمة ، ولا يأتين عملا إلا تكلفا ، ولا يزلن في تسخط ودمدمة ، ما عدا عونهن ممنيات بزيارة الجن ، ولكن من أين الحصول على الخوادم بالأجرة ، إذا كانت العادة لا تسوغ استخدام نساء من الأناضول ، ولا من النصارى ولا من اليهود ولا من النور - الغجر - كما أنها لا تسوغ العمل لصاحبة البيت ولا لبناتها ، فإن النساء إنما خلقن هنا للزينة فقط ، فقد أعجزتنا الحيلة في أمر هؤلاء الجواري ، كما أعجزتنا في الديار وترتيب الأسواق ، فلم يبق لنا إلا تفويض ذلك إلى المجلس البلدي ، جيران سكنى الآستانة في هذه الأوقات صارت أمرا شاقا وتعبا بائقا ، إذ على فرض أن يكون الإنسان فيها ذا وظيفة ، فلا يجد فيها ما يأكل ولا ما يشرب ولا ما يركب ولا ما يسكن ، فأينما توجه في طلب ما يعوزه وجد دونه مصاعب ومشاقا ، خلافا لبلاد أوربا ، فإن الصعوبة فيها إنما هي في تحصيل الوظيفة ، فمتى حصل عليها فقد حصل على كل ما يتمناه ويشتهيه ، فما دامت هذه الحال عندنا هكذا ، فألف معلم وأستاذ ومترجم ، في دار الفنون ومجلس المعارف لا يغنون شيئا ، وإنما هي أماني يتشاغل بها الذين لا شغل لهم ، إذ لو كان مرادنا الجد في أسباب التمدن ، لوجب علينا أن نفكر بادئ بدء ، في أن الآستانة قد خلت عن عشرة آلاف دار في الأقل ، وأنه ليس في كل خمسمائة دار قائمة فيها دكان واحد تباع فيه البقول الطيبة أو الفواكه الناضجة أو الخبز الخاص ، وإنما هو سداد من عوز ، فأي نفع يحصل من تكثير المكاتب والكتب والمترجمين ، إذا كان بائع الخضروات ليس عنده عرق من البقول ، وقد نرى أن كثيرا ممن ساسوا البلاد وضبطوها أحسن ضبط ، لم يكونوا يعلمون بوجود أو ميروس وفرنجيل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت